سِجل المدونة

الجمعة، 12 يونيو 2026

عموماً...




بسم الله الرحمن الرحيم






عموماً…
عايش...
لا بأس...
أقضي يومي ككل يوم...
يشبه ما قبله...
يشبه ما بعده...
ثم أعود إلى وحدتي بعد العادية والحياة...
إذ أجد نفسي تنتظرني كالخل الواله…
في بهيم العتمة…
هادئة…
ساكنة…
مريعة…
أقف مفكراً بحياتي الفقيدة...
ونفسي المبهمة بلا معالم ترقبني…
جلوساً بصمت...
تنتظر بصبر بالظلام كطيف شبح...
رقيقة، ضعيفة، واهنة كصبي يافع مريض...
عموماً…
ألبس بسأم وثقل قميص مشقوق الجيب...
أصلحته بتحذلق لم يشفع له قبح الصنيع...
ككل ما بقي في حقيقته…
كابتساماتي الثقيلة الكاذبة قبل العودة…
كالمرآة الصغيرة الصادقة على جداري…
بعدها...
عموماً...
أستلقي كشيء على فراشي الضئيل...
المحصور بين الأشياء الكثيرة...
المرتّبة قدر الإمكان…
دواليب تمتلئ بما أتذكر…
وما نسيت…
أكياس على الأرض وفي الصناديق…
أدويتها هناك...
أدويتي هنا…
عموماً...
أضطرب وأتقلب...
أخشى الاستسلام فأقعد متأملاً...
فأستلقي بشك...
أفكر بحياتي...
فأقعد...
عموماً...
أستلقي مستسلماً بلا حيلة...
وجلال حياتي معي…
هذه العاديّة الجديدة...
الأسف والأسى والسأم...
السأم من عايش ولا بأس...
عموماً...
تفهم نفسي التي لا تكل الصبر...
كالقَدَر المُشتبه إذ يتحيَّن...
فتأوي إلي برفق في هدأة الليل...
كالعيل المُهمل المشرد...
المتروك لشأنه...
وكأنما تهبط في بركة تكاد تفيض...
بماء الحزن والحسرة والوحشة...
تزيح شيء من هذا الماء الراكد عبر عيناي...
إذ استسلم للفقد والعدم والهامش...
والتمام...
عموماً…
أنا سعد…
هل تذكريني يا حياتي؟...
فها أنا قد عدت أنا…
نوعاً ما...







أحلم أني في خضم حزني وانهياري، بعد ثلاثة أيام يقال لي بأنها لم تمت، هاهي بخير. أراها جالسة، أفرح بها غير مصدق، أحتضنها وأتطلع في وجهها عن قرب، ولكن أتآكل من القلق. أصر على أخذها إلى الطبيب، أريد أن أطمئن عليها. هناك، بعد وقت وأخذ ورد، وأنا بعيد لشأن لها لكن في المستشفى، يردني إتصال يخبرني بأنها تُوفت، فأدوخ وينزلق هاتفي من يدي، لكنه يقف في المنتصف ويطفو، وأبدأ بالوقوع على وجهي، لكني لا أقع، أستمر فقط بحالة الوقوع، وفي حالة قبل فقدان الوعي. في الحلم سمعت الناس من حولي، بعضهم يعبر عن قلقه. وفي حلم آخر مشابه كنت أهرب بعدما علمت، أفتح أبواب خلف أبواب خلف أبواب لا تكاد تنتهي، قبل أن أقع، وأظل معلقاً في منتصف طريقي إلى الأرض، وطريقي إلى فقدان الوعي.
أحلم بأني أحملها بين ذراعيّ كالطفلة، مستلقية، أضمها إلى صدري، مغمضة العينين متعبة، وأنا في المستشفى، أريد الدخول إلى طبيب. أدخل أخيراً، أسمع أمي تتشكى من شيء وهي مغمضة العينين، تخبرني بشيء. يطلب مني الطبيب الجلوس ليخبرني بأمر مهم. أجلس، وأنا من يتحدث لأشرح له ما تشتكي أمي. ثم أنتظره ليخبرني، ويبدو لي أنه سيسألني عن حالي أنا، ولكني أريد أن أعرف، مما تعاني أمي. ينتهي الحلم، على لا شيء، لا نتيجة، لا معرفة. لم يخبرني، ولم يسألني.

هل ماتت أمس؟.







الغصة

غصة في قلبي…
أطلب النجدة…
بصمت…
فلا جدوى من الكلام…
ستمر بسلام…
إذ هكذا سيقال…
لن تموت…
ستمر بسلام…
ككل ما مضى…
ستمر بسلام…
طالما لم تَمُت…
لا جديد…
ألا فدلوني…
على طبيب الروح…
يسعف الضمير السروح…
أو حائكة عندها علم…
تخيط الخفي من الجروح…
لا تقولوا ستمر بسلام…
لم يعد من سلام…
أعلم أنها ستمضي…
ستمضي الحياة…
حتى بي…
لكني سأظل أعرُج…
وحزني الخفي أبداً في حضني…
سأعيش عمري فاقداً أرثي…
تشبه ابتسامتي كسر قلبي…
أخفيك خلف جفني…
إذ أقابلك مغمضاً في كل مرة أشتاق…
فيغص قلبي…
ستمضي الحياة…
وا أسفاه…
ككل ما حولي…
ولا عزاء لقلبي…
صامت كان أم يبكي…
ستمضي…
رغماً عني…
كما كانت حياتي تقول؛؛؛
"أصيح وأسكت"...
أصيح وأسكت…


تمضي الحياة الآن، ولا أدري ماذا أنتظر. يا للخواء، ويا للظلام، ويا للوحشة، رغم كثرة المحيطين.
لا زال ذهني يطوف حول أمي، يتأملها، يسمعها، ينسى فيفكر كيف سيعتني بها.




أُخذت على حين غرة، حينما رأيت والدة رجل أجنبي في خلفية جواله صدفة، في العمل، كان قد ترك جواله ومضى. أخذت أتأملها مشدوهاً، كانت شديدة الشبه بأمي، على نحو عصي على الفهم، انهمرت دموعي، لا أنكر أني غبطته.




أجد نفسي أتذكرها فجأة، فأقف في مكاني وأنسى كل شيء، ولا أرى شيء.
أتذكرها أحياناً عند الآخرين، إن كان أمر كنا نقوم به أنا وأمي معاً، ولو كان طعام أو شراب، أفقد تركيزي وأتذكر ما كنا نفعل، أشعر بالألم العاصر في قلبي، وتصبح عيناي بلا قيمة أو فائدة وهي لا تراها.
أتذكر أيامها الأخيرة قبل التدهور الشديد، حينما صرت أطعمها بالملعقة، وأنا أخاف أن تشرق، بسبب الدواء سيء الذكر، الذي تركناه ولكنه لم يتركنا…

أمي…




ذاهباً إلى مستشفى من عرض المستشفيات التي لطالما زرناها معاً، قصدت الصيدلية لغرض، مشغول الذهن، وجدت نفسي دون شعور في آخر الصيدلية، حيث كان مقصدي الأول دائماً، باحثا عن أفضل المراهم والمسكنات لأرجل أمي، قبل أي شيء آخر، كنت أتابع الجديد منها. تغير مكان هذه الأشياء الآن.
لا زالت الصيدليات مؤلمة، مُذكرة، ككل شيء آخر، إذ كان كل شيء له ارتباط بها، لكن الصيدليات والمستشفيات، تسحق قلبي.




كنا عائدين ذات مرة من المستشفى قبل سنوات قليلة، لم نبتعد كثيراً عنه، حينما أخبرتني أمي فجأة، بأنها تعبت خلال حملها بي، فكان الأمر خطر على حياتها، فاقترح عليها الطبيب الإجهاض. تقول بأن والدي وافق الطبيب على هذا، وحث أمي على الموافقة، وهو أمر أفهمه جيداً، حياتها أهم، وكان لديها ذرية كافية، وأطفال بحاجتها لا زالوا. قالت بأنها رفضت، قائلة لوالدي بأنه لا يعلم فيمن سيكون الخير. أعقبت: وهذاك، يعني هاأنت. دعت لي. كانت المرة الأولى والأخيرة التي سمعت هذه القصة فيها، متأخراً في حياتي، وقد تعجبت منها. تذكرت في طفولتي، حينما كان أخ لي لئيم شديد القسوة علي. وكنت حينما أشكو لأمي تقول: كن أكبر منه، لا تجبه. مع العلم أني أصغر أفراد العائلة. اعترضتُ ذات مرة بأنها تقول هذا دائماً، ولماذا لا توبخه. ردت علي إسراراً، في سياق غريب وغير مرتبط؛ بأني غير، إني الإبن الأصغر، والإبن الأصغر هو من سيعتني بأمه حينما تكبر. صمتُّ راضياً، وكأن هذا القول قد حل المشكلة مع سلوك أخي، بيد أنها لم تُحل حتى اشتعل الرأس مني شيباً. ولكنها صدَقت رغم كل شيء، وبالمنطق الغريب غير المفهوم هذا، بدا أني اشتريت قربي منها بمعاناتي من أخي، بقيت معها ما تبقى من عمرها.




الآن، حينما أكون لوحدي، أفكر كثيراً بمعاناتها للفترة غير القصيرة التي سبقت وفاتها، ويعتصر الحزن قلبي، حتى تدمع عيناي، في مأمن من عيون الناس. لقد كنت أتألم لأجلها في حياتها، لكن، كنت أكبت الألم بقدر ما استطيع، حتى لا أفقد تركيزي على رعايتها. الآن، لا جدوى من شيء.
تذكرت وضع عشته في طفولتي، حيث كنت أعاني من عدم فهم الرياضيات على نحو خطير، كان الموقف قد ازداد خطراً في أحد السنوات حينما عجزت أختي عن إفهامي، فبحث زوجها عن مدرس خصوصي قبل الامتحانات النهائية بأسبوعين، وبدأ يأتي كل يوم تقريباً. كان بالأساس محاسب مصري، لم يكن معلماً. بعد فترة قصيرة بدأ يقسو علي، وصار حضوره ضاغطاً إلى درجة لا تحتمل، وقد تسلط علي بالانتقاد ونفاد الصبر. كنت في معظم يومي حينما يذهب أختنق حزناً وضيقة، وتتجمع الدموع في عيني، ثم أخبر نفسي بأني لا يمكنني أن أبكي الآن، لا وقت، يجب أن أدرس، إذ كنت أحتاج إلى دراسة كل شيء لفترة طويلة تجنباً للفشل القريب، فكنت أعد نفسي بأني سأبكي بقدر ما أشاء وأحزن كما أريد بعد الاختبارات، كان هذا ديدني طوال اليوم. حينما انتهت الامتحانات، فوجئت بأني لا استطيع البكاء، أو الشعور بالحزن الذي شعرت به بقدر ما شعرت بالإرهاق. كان شعري يتساقط في الامتحانات، طوال فترة دراستي بعدما بدأت أشعر بالمسؤولية في الثالث الابتدائي حتى تخرجي بالجامعة، كنت أعاني من تساقط شعري فترة الامتحانات حتى أسمعه يتساقط مطقطقاً بالعشرات أحياناً على ورقة الامتحان. أقول تبين بأن تعليم المحاسب غير جيد، وقد اكتشف أخي، المتفوق بالرياضيات وكل شيء، أنه يعلمني حل المسائل بتعقيد على طريقة المحاسبين، فشرح لي أخي طريقة أسهل لمسألة واحدة. نجحت بالكاد، وتبين بأني لم أدرس بعض المعادلات أصلاً، إذ تجاوزها. اتصل سائلاً إياي عن الامتحان فأخبرته بلوم عن تلك الدروس المفقودة. لحسن الحظ، نصحني صديق جديد بمدرس آخر، فصرت لا أحمل هم الرياضيات، حتى أني إن لم أصب الدرجة الكاملة أصبت التي بعدها بدرجة، حتى لم أعد أدرس الرياضيات بالصف الثاني الثانوي.
ما هذا الهذر.
ربما أردت أن أقول، أن المفارقة هي أني الآن لا يردني عن الحزن راد، رغم أني لم أعد نفسي بشيء، لأني لم أفكر بوصول النهاية يوماً ما. هذه المرة أبكيها، ولكن الحزن لا يخف، ولا أطمع بأن الدموع تخفف منه.







في آخر أيام أمي، لما استبد بي الخوف، ولم يكن من أحد لأخبره بهذا، أو يطمئنني، أو يقف معي، فقدت عقلي وذهبت أبحث عن أحدهم، رغم علمي بأني لن أجد شيء عنده حتى لو وجدته. لم أجده، وكان هذا ستر من الله على الأغلب. في واقع الأمر، في الشدائد، لم أجد من يقف إلى جانبي على هذا المستوى، المستوى الذي يجده المرء من الأصدقاء لا من الأهل. من ناحية لا يوجد أصدقاء بهذا القرب منذ عقود، والأصدقاء بالأساس قلة ومتباعدة رؤيتهم، أو غير قادرين على هذا العطاء، أما من يقف بجانبي دائماً في أصعب ظروفي رغم حبي له، إلا أن هذا ليس فنّه، رغم حبي الكبير له، وهو أحد أبناء إخوتي.
بعد خيبتي غير المبررة تلك، أعتقد أن أمي توفيت بعد يوم أو اثنين.
بدا أن الأمر، بحثي عن العزاء والدعم، لم يكن مهماً بعد ذلك، ولا معنى له.







وسادتي العطوف…
الحضن الرؤوف…
تبللها دموعي…
وتسمع قلبي يبوح…
عن الجروح…
عن نصف الروح…
عن حياتي…
التي دفنت…
عن قيمة ما بقي…
التي انتهت…
وما بقي؟…
لا شيء…
من بعدها من سيفقدني…
لا شيء لا شيء بدوني…
تحوم الأحزان حولي…
كغربان كُلفت بي…
تَعِبَت…
فباتت تنتظر موتي…







جائتني هدية غير مستحقة في العيد. عطر، قيل أنه اختير لي برائحته تلك لأني نظيف، أي أنه معبر عن النظافة، إنه انطباع. لم أضع العطور منذ وقت طويل، قبل وفاة أمي بأشهر كثيرة، ولا أقوى على وضعها الآن. بيد أني تذكرت حديثها إذ تشتمّني أحياناً فيما تقبلني أو أنحني لأقبلها وأحتضنها وهي في مقعدها، فتقول بأنها تحب رائحتي. بكل تأكيد، كل من حولنا نظيف ويتعطر، لكن لعلها غريزة الأم، وبالمقابل، غريزة الإبن إذ أجد ريح الطيب فيها في كل وقت، حتى لو لم تتطيب، أم هي غريزة الأب؟ هل هذا هو الصحيح؟ هذا ما صار الحال إليه مع الزمن. قالت كذا مرة بأنها تعرف وصولي، إذ تجتاحها رائحتي كالبحر، وأنها تحب رائحتي. إن هذه من أجمل ذكرياتي، لكن حتى ذكرياتي الصعبة جميلة في نفسي. أستاء وأبكي حينما أفطن أني لم أعد أقلق ذلك القلق الذي يكاد أن يُسكت قلبي، لم أعد أفزع من النوم، لم أعد أتوهم بأنها تناديني فأقفز من نومي لأسرع إلى غرفتها، أتسمع، فأجدها نائمة. ليت القلق طال، وما راحت وتركتني.

لكن، هل كانت بالواقع تشتَمّ رائحتها الجميلة هي، وليست رائحتي؟، حدث لي ذات مرة، ظننت أن رائحة أحدهم جميلة وقت الصلاة، كنت طالباً في الجامعة وكان يصلي بجانبي، وحالما سلم الإمام قفز من مكانه ومضى، فلما تأملت وجدتها بالواقع رائحة الفانيلا مني، عطري، قد اختلطت بأنفاس فمي.

تداهمني الذكرى أحياناً في نفس الجملة وأنا أتكلم، يكفي أن أرى أو أسمع أو أقول شيئاً يذكرني بها، ولأننا كنا لصيقين كل شيء قد يذكرني بها؛ إطعام طفلة بالملعقة، قصة، رائحة، شيء، مكان، شاي…

أسأل الله أن يستبقي لنا خالي بالصحة والعافية، آخر من بقي لنا منها.







أفكر أحياناً بالطبيب الذي أعطاها الدواء الذي دهورها، أعلم بحسن نيته، واهتمامه وتعاطفه، ولا أشعر بالكره أو الغضب تجاهه، إني أشعر بالأسف على الخطأ، الذي لم يُكتشف إلا متأخراً. مع ذلك، كثيراً ما أتذكره، وأقول في نفسي هل أذهب وأخبره؟، وأتكلم معه؟، لابد أنه يتذكرني، لقد أطلنا المتابعة معه، فقد كان يوصف بأنه الأفضل في مجاله، ولكن حتى الأفضل يخطئ.







تشرئب الشواهد في كل مرة…
تتهامس…
هاقد عاد البكّاء الغريب…
بمظلته ومقعده الصغير…
لا يرده راد عن البكاء…
والدعاء…
والسؤال والتوجد…
والشكوى من الوحشة والسأم والخواء…
ولا مجيب…

ليت من نحب يعيش أبداً، وإن لم يكن، ألّا نعيش بعده.







مقتطفات أخرى مما كنت أكتب في السنوات الفائتة، مع تعقيبات:


فيما يخص خالة أختي، والدة زوجها رحمها الله:


"سمعت لاحقاً بأن بعض النساء المعزيات تساءلن باستنكار علام الحزن الشديد الذي رأينه من بناتها، فهي امرأة عجوز. بالواقع، هذه وجهة نظر كثير من قساة القلوب، سواء جربوا الفقد أم لم يجربوه. بل إن أكثر ما عجبت له هو قول أحدهم حينما يسأل عن حاله بعد فقد والديه أو حينما يصل أحدهما إلى حالة الاحتضار بأنهم كبار بالسن، بطريقة توحي بأنه أمر بسيط ومنتظر، ولم يعد أمر يسبب الحزن أو التأزم، وهي ليست مسألة قوة إيمان بوضوح، إنها نوع من اللامبالاة والقسوة. لا يأخذ الناس بالاعتبار أن الإنسان لم يعش آخر لحظاته فقط قبل أن يموت، كيف ينسى الناس، معزين أم فاقدين في حالة البعض، العمر الكامل والذكريات والأهمية للمتوفى، وينسى بعض الفاقدين العمر الذي قضوه مع والديهم وكأنما قضوه مع أحد آخر، كل العطف والتربية والحب والحرص، كل هذا العمر يختصر بالنهاية بوصولهم إلى سن معين وكأنهم لم يعيشوا غيره.

ومثله، يقول البعض معزياً بأن من مات هو طفل، وليس كبيراً على الأقل. حينما توفي أكبر أبناء إخواني جعله شفيعاً لأهله، قال لي صديق طفولة لطالما كان فاقد للحس السليم، أو طهارة القلب حتى، بأنه لا زال طفلاً على الأقل، بعدما سألني عن عمره. لمته في حينها. لحسن الحظ، كنا قد بدأنا نتباعد في الجامعة، رغم أني كدت أن أصدق أنه تغير لاحقاً، وليس الخطأ المذكور هو ما يسوء منه، لكنه سيء على وجه العموم.

إني أود أن أمزق وجه من يستخف بالموت والميت، والفاقد المكلوم.
لن أنسى من ارتشف الشاي ولتونا عدنا من المقبرة إذ دفنا والدي رحمه الله، لم يجلس حتى إذ تناول الشاي واقفاً حالما دخل المنزل، ثم نظر إلي إذ أجلس باكياً على الأرض في الفناء، وارتشف الشاي بصوت قوي مسموع ثم أطلق زفرة استمتاع وهو ينظر في عيناي. لا أتألم الآن من تلك الفعلة الخسيسة، لكنه أمر مثير للاهتمام ولا يُنسى، حيث لا أتصور بأن كلاً يشهد بأم عينيه وضاعة كهذه في حياته، إذ قلما يُشغل الفاقد بإهانة شعور إنسان آخر، لا سيما إن كان فاقد مثله."

لا زلت أنادي أبي فجأة، إلى جانب أمي الآن.

إن ذكرياتي عن أمي تدور في محيط عمري كاملاً، منذ ذكرياتي الأولى بعمر الثلاث سنوات أو أقل، إنها كشريط حياتي، كأني أحتضر وأنا أتذكر.




"فوجئت قبل فترة باتصال من صديق يوناني، يعلمني به بأن زوجته تزوره في الرياض، وأنها تريد ان تراني. كان قد اخبرني عن حياته كثيراً من قبل، بحيث أني لدي فكرة عن حياة زوجته. هو رجل في خمسيناته، وهي أصغر منه قد تكون في آخر الاربعينات. إني أعرف عن مجهوداتها ومُقاساتها معه في تربية ابن لهم في طيف من التوحد، رغم اني فهمت لاحقاً بأن وضعه ممتاز ولله الحمد، من ناحية لحالته الأخف من سواه، ومن ناحية أخرى لمجهودات أهله الجبارة، خصوصاً والدته، وقد دخل الجامعة مؤخراً كتتويج لعمر من العناية والاهتمام.
أخذتهما من بيته، وكنت قد جلبت لها هدية. كانت سعيدة ومبهورة بالرياض، وخصوصاً لزيارتها لمدينة الدرعية المحاذية، مفصولة بشارع، تكاد ان تبتلعها الرياض…"
"...جلسنا في مقهى في المركز، وبعد قليل استأذنت لترى محلاً، ثم عادت. تحدثنا كثيراً، وفهمت بأن السيدة عالية التعليم على نحو منهجي، فهي تحمل شهادتي ماجستير، إحداها بفن الكتابة. تحدثنا بالأمر وتناقشنا، واستمتعت كثيراً بالنقاش. أخبرتها بأن أمي شاعرة، وترجمت لها إحدى القصائد، فتأثرت كثيراً، وناقشتني بها. علقت بعد نقاشات كثيرة بأنها رأت تشابهات كثيرة بين الشعبين، وكان زوجها دائماً يدلي بهذا التعليق في جلساتنا، ويبدو أن الأمر يسترعي انتباهه كثيراً، وهو يتعلم عن الثقافة، من حيث تفاعل الناس ورؤيتهم للحياة.
في واقع الأمر، وجدت أن اهتماماتي والزوجة بالأدب والثقافات أقرب مما يربطني من اهتمامات بزوجها، رغم ان حجمه كصديق في قلبي يكبر ولا يصغر، إذ لا علاقة لهذا بالاهتمامات.
أسفت كثيراً حينما أخبرتني بأنها ترعى الآن والدتها حيث اكتشفوا مؤخراً بأنها مصابة بالخرف. كان زوجها قد أخبرني من قبل، واقترحت عليه بعض الأمور. لكن ما أثر بي كثيراً هو قولها بأنها ما ان ارتاحت بإدخال ابنها الجامعة أخيراً، حتى أصيبت والدتها بهذا المرض. وهي صادقة، إنه مرض يحطم قلوب من حول المريض وأقرب الناس إليه. ولا أقول هذا لأني قاسيت من حالة والدي رحمه الله أكثر من سواي، إني قمت بأقل مما يجب لأجله؛ لقد وقع الجانب الأكبر من العناية به على عاتق أخي، الذي كان يقاسي ويعاني كذلك لوحده، معاناة لا يعلم بها إلا الله. كنت أهتم بوالدي في بدايات معرفتنا بحالته، حينما كان يمشي ويتكلم، آخذه للمستشفى وآتي به وآتي بأدويته وارتبها. حينما وصل إلى مرحلة متأخرة يحتاج معها إلى الرعاية الكاملة، قيض الله له أخي، جعل الله ذلك سبباً لدخوله الجنة هو ووالدي رحمه الله.
أقول كان الهم واضح على الزوجة، وكان الأسف واضح عليها لأجل والدتها، فهم اكتشفوا الأمر فجأة، لا يبدو أنه سبق اكتشافهم شك مهد للأمر…"
"...أعدت عليها ما اقترحت على زوجها سابقاً، واهتمت كثيراً. سألني لاحقاً اكثر من مرة عن الأدوية العشبية التي اقترحت، وأتيت له بروابط لشراءها، لكن آخر ما سمعت كان أن شقيق الزوجة المسؤول عن الشراء ينسى كثيراً، لم يعجبني الأمر، فقلت للرجل بأن البعض لا يهتم، فقال بأنه يهتم بالواقع لكنه كثير النسيان. النسيان؟ لا، ليس دائماً، لقد رأيت ما يكفي، ولن أسامح. مع ذلك، أنا لا أعرف الرجل، أرجو أنه إن كان ينسى أن يتذكر قبل فوات الأوان. أعرف اللامبالاة والاهتمام الشكلي كثيراً، لعله من أكثر ما عرفت برعايتي لوالديَّ."

"...هو الأكثر حرارة ووداً، فلا زال يحرص على القبل عند السلام، ويجب أن تكون ثلاثاً، وحين يكون قد خطط للسفر، فلابد من احتضاني بقوة. إني أرى عطفاً شديداً منه لا استحقه، أرى أسفاً منه على حالي لا أسأل ما منبعه…"


فيما يخص ظروفي:

"في السنوات الثلاث الأخيرة ابتليت بمشاكل صحية، تتلاحق وتزدحم في جسدي، ولا زالت تتكاثر. رأيت الكثير من الأطباء، بآراء مختلفة، وتكاليف عالية، وكلٌ له رأي، لكن لا أحد تمكن من مساعدتي، باستثناء أحدهم لا زلت أراجع في عيادته، وأرى نتائج مبشرة الحمد لله. لكن هذه علة واحدة. العلل الأخرى لا زلت أسعى في حلها، وأقوم بكل ما يقترحه القوم بالمستشفيات، وإن نفعني حل لم تستمر المنفعة وسرعان ما يعود الألم والمعاناة. أما العلة الجديدة، فلا زالت قيد الفحص، إذ أن الأمور غير واضحة.

لأجل علّة ذات مدىً طويل، قررت زيارة مركز للإبر الصينية. المكان بعيد جداً، في شرق الرياض، مع زحام الرياض الذي يزداد كل سنة، بينما لا تتحمله الشوارع وتصميمها قصير النظر، وخيارات الإسكان المكلفة بجنون لا يطاق. هذه المدينة المسكينة، يتم حقنها حقناً بالسكان، وكأن هناك من وقف بباب مصعد ضيق، وبدأ بحشر الناس بالداخل حتى التصق أحدهم بالآخر ولم يعد من مكان ولا مجال للتنفس، ولما أقفل الباب عجز المصعد عن الصعود والارتفاع لثقل الوزن.
لقد بات وقتي شديد الضيق، وأحياناً أضطر إلى تأجيل مواعيد مهمة. إن خرجت، فإن ذهني لا يغادر المنزل، أو لا يغادره المنزل، وإن كنت أرتاح قليلاً في حال تواجد إحدى أخواتي، أو اكثر، في المنزل.
قابلت اخصائية صينية متوسطة العمر، مع مترجم سوداني بدا وكأنه سئم الحياة، لكنه فقط اعتاد على بساطة عمله على ما يبدو كما شعرت لاحقاً. كانت الأخصائية متحمسة وقالت بأنها لديها خطة لمساعدتي، وقررت حد أدنى من الجلسات.
حينما نرى جلسات الإبر الصينية في التلفزيون والأفلام، والهدوء والسكينة على وجوه المتلقين للعلاج، يحسب المرء بأنها عملية مريحة ومهدئة للنفس ومرخية للجسد. لكن كان هذا أبعد ما يكون عن تجربتي.
اشتريت منهم عشر جلسات، في عرض يخصم خصماً جيداً، وهو أكثر مما اقترحت الأخصائية.
إن الوخز بالإبر هو الوخز بالإبر، صينية كانت أم خياطة. ورغم انها إبر رقيقة وصخيفة، إلا أنها قوية لا تميل ولا تعوَج. مع الوقت، بدأت أشك إن كنت أنا بالأساس حساس على نحو خاص للألم؛ كان قد أخبرني طبيب ذات مرة في الطوارئ أن بعض الناس يشعرون بالألم على نحو أكبر بكثير من سواهم. قد يكون جسدي مثل قلبي.
استمريت بالذهاب، رغم الألم، لم تكن جلسات مريحة أبداً، كانت صعبة ومؤلمة ومتعبة نفسياً، حيث أن الأخصائية تضع الإبر حيث لم أتخيل أنها توضع؛ الرسغ مثلاً، حيث تدخلها من جانبيه، والإبر بالأساس تُدخل بعمق اللحم وليس على الجلد كما كنت أتخيل، والرسغ مكان مؤلم على نحو خاص، وبالنسبة لي مؤلم من الناحية النفسية كذلك بما لا يقل، إن مجرد الفكرة تشعرني بالمرض والتعب، بينما أزورهم أنا للعلاج. لكن، لطالما قالت لي أمي وأنا صغير، حينما أشكو قبح طعم الدواء، بأن الرجال يأكلون المر ولا يهمهم.
أخبرتني الأخصائية بأني سأرى التحسن بعد الجلسة الخامسة، وقد صدقت. زال الألم ولله الحمد، وبدا أني عدت إلى حال كدت انساه قبل أن يصيبني المرض. أسعدني هذا، حتى اكتشفت بأن ترك الجلسات يعيدني إلى حالي الأول، المعاناة والألم. لم أترك الجلسات، لكني أجلت بعضها بسبب الظروف، لم يكن يمكنني أن أواظب لفترة طويلة على نفس الوتيرة.
تفائلت مع ذلك، وقررت الاستمرار، وباقتراح الاخصائية الموافق لهذه الفكرة، قد يفيدني الاستمرار أكثر.

تغير موعد عمل الأخصائية إلى النهار، حيث من المستحيل أن أجد الوقت أو الجهد لأزورها. فحجزت لدى الأخصائية الثانية، وهي لا تتحدث لا العربية ولا الانقليزية إلا بتطبيق جوال. كانت أقسى وأكثر إيلاماً حتى من الأولى، لكن انتهت زياراتي لها في المرة الثانية؛ اعتقد أنها مجنونة أو تعاني من علة. فوجئت بالزيارة الثانية بأنها تطعنني بالإبر طعن الحاقد، وكأن الوخز أساساً لا يؤلمني حتى أتمنى أني لم آت. وكانت تضحك مستمتعة. وكالعادة حتى مع الأخصائية الأولى، تغطي الإبر كامل جسدي وأطرافي، من قدماي حتى كتفاي، وأنا مستلقٍ على ظهري. ثم فاجأتني لما فرغت من غز الإبر بصفع قدمي بقوة وبلا مبالاة مبتسمة لنفسها وهي تسير، وقد فرغت وستتركني لحوالي نصف ساعة، لم يكن ألم مرعب وفظيع فقط، لكني صُدمت بما فعلت وأصابني الجزع، أردت الانتهاء والفكاك بسلامة حتى لا أعود إليها مرة أخرى. وحينما يتم غرس الإبر على كامل جسد المرء وهو مستلقٍ، فإنه لا يستطيع الحراك، خوفاً من حدوث خطأ، ولأن أي حركة تثير الألم على نحو لا يُحتمل. حينما خرجت أخبرت موظفة الاستقبال بأني لا أريد أن أرى هذه الأخصائية مرة أخرى، وأنها مجنونة، وأن تخبرني حالما تعود الأخصائية الأخرى للعمل في المساء. لحسن الحظ، لم يطل الامر كثيراً، وعادت أخصائيتي.

الجلسات ليست بالإبر فقط في بعض الجلسات، هناك نوع من التمسيح والتدليك للجسم، أعتقد انه لإرخائه، ثم الإبر، ثم حجامة هوائية بلا جرح، ثم تدليك بسيط. كنت أعتقد بنفع الحجامة الهوائية على نحو خاص، فاشتريت جهاز صغير كهربائي يقوم بالعمل، وصرت أحاول أن أضعه على جسمي حيثما تضعه اخصائيتي. في المرة التالية حينما رأت جسمي بعدما استلقيت مبقعاً بالدوائر بسبب الجهاز فوجئت وقالت باستنكار من فعل هذا بك؟!، قلت أنا، قالت مصدومة لماذا؟؟ قلت أريد أن أفعل مثلك. انفجرت ضاحكة وصفعت رأسي، وظلت تضحك كل فينة وأخرى، وتقول متعجبة: مثلك. هي امرأة عفوية، ذكرتني بالمرشد المسن في المكسيك. رأت ساعة جديدة في يدي وهي تغز الإبر إذ نسيت أن انزعها، وضحكت قائلة بأنها ضخمة، وسألت عن السعر، أخبرتها بأنه ٦٠٠، فنظرت إلي بعينين متسعتين من الصدمة، ثم أكملت غز الإبر وهي تهز رأسها بإنكار، وقالت بفقدان أمل: الصبيان. ضحكت، أي صبي ترى.
استفدت بقدر ما حضرت من جلسات، ثم اقترحت الأخصائية أن أحضر جلسات أكثر، سبع جلسات. قلت للفتاة بالاستقبال بأني أريد حجز جلسات أكثر، لكنها صدقاً مكلفة جداً بلا عرض. سألتني الفتاة إن كنت قد استفدت من الجلسات؟، فقلت بأني استفدت الحمد لله، فقالت بأنها ستكلم المدير وستخبرني لاحقاً. تواصلت معي وكان العرض حتى أرخص من السابق، قالت بأن المدير يقول بأن المهم أن يكون قد استفاد. يوجد أناس يشعرون ويحسون بالآخرين.

لكن، في أول جلسة بالخطة الجديدة، حالما وضعت الأخصائية الإبر بدأت أشعر بشعور غريب. أطفأت النور وغادرت. بدأت أشعر بالحكة الشديدة، وطبعاً لا أستطيع أن أتحرك، وزادت الحكة في كل أنحاء جسمي حتى لم أعد أحتمل، فناديت، وناديت وصحت، بلا إجابة، لا بد أنها كانت في غرفة أخرى، وبالتأكيد لم تسمع، وبعد فترة طويلة يبدو أن أحد ما نبهها، فجاءت مسرعة تجري ووجدتني بحال سيء، فبدأت بنزع الإبر على عجل ولكن بحرص شديد من كتفاي فصدري، فبطني، وحلما حررت يداي قمت بسرعة لأنزع الإبر عن فخذاي وأنا أتألم فزعقت الأخصائية فجأة ودفعتني مذعورة حتى استلقيت، وأسرعت بنزع الباقي، وكانت مذهولة، واعتذرت قائلة بأنها كانت سعيدة بالتحسن الذي حدث في الجلسات الفائته وربما بالغت بعدد الإبر. لا أعتقد أن هذا هو السبب، هناك شيء آخر لا أدري ما هو. تحككت ولبست ثوبي بسرعة وعدت إلى البيت لا ألوي على شيء، وأكلت من حبوب الحساسية القوية التي أحتفظ بها لأمي، التي وجدتها أيضاً بحال يحتاج إلى الرعاية، إذ لم تقبل التعاون مع أي أحد ممن كان يزورنا من أشقائي. جلست مع أمي فتعشت ونامت، بينما ما لبثتُ ربما ربع الساعة حتى بدأت أتحسن، ولكني خشيت العودة، ففوق ألم الإبر الجسدي والمعنوي حساسية، كان أمر لا يحتمل. كففت بعد أول جلسة من المجموعة الجديدة، بيد أني عدت بعد فترة طويلة."

بعد أكثر من سنة، عدت إلى الطبيبة الصينية، وقد فرحت بي كثيراً، وكانت تتذكر كل شيء. قالت أنها لطالما فكرت بما حل بي. بدأنا مواصلة العلاج، وكانت فرحة بعودتي.
كثيراً ما سألت عن حياتي، وهي خلافاً للمتوقع تحب الحديث، وتحب إعطاء النصائح الحياتية، إذ أنها امرأة كبيرة بالعمر، وتحب التوصية بعمل الأمور وتحمل همها.

طلبت منها زيارة بيتنا في تعب أمي الأخير لتكشف عليها، فأتت. دلكت أمي وقالت بأنها لن تتحمل الإبر. قالت لي بأن أمي ستغادرنا قريباً: إنك ابن صالح، يجب أن تكون مستعداً. لم أخبر أختي بهذا. رفَضَت أخذ المال فأصريت حتى وضعته في حقيبتها. لكن حينما أوصلناها، أرسلت لتخبرني بأنها تركت الظرف في السيارة، لأنها جائتنا كصديقة.

لم أزرها بعد وفاة أمي حتى الآن. أعتقد أني سأعود، لأشكرها على الأقل. كثير ممن أتمنى أن أشكر. ممرضة أمي في أيامها الأخيرة، هندية كبيرة بالعمر، حينما كانت على التنفس الاصطناعي. حينما أكون وحدي هناك كنت أبكي. أخبرتني حينما استدعتني الطبيبة، في طريقنا إليها، بأن أمي ستتوفى قريباً، يجب أن أكون مستعداً، هززت رأسي لها، ثم التفتت بعد قليل ووجدتني أبكي وكنا قد اقتربنا من مكتب الطبيبة، قالت بعطف: لما تبكي؟ لا تبكي. رفعت كتفاي بعجز. كانت تقول هذا كلما رأتني أبكي في الأيام السابقة، لكن في تلك المرة الأخيرة بدى بأنها أكثر حزناً لأجلي. ممرضة أمي في العناية المركزة في المستشفى قبل الأخير، حيث انتقلت إليه من مستشفى الحبيب، كانت امرأة أفريقية كبيرة. كانت حنون عطوف على أمي وعلي. كانت تغضب لأجلي لأن الطبيبة دائماً تطلب رؤيتي ولا تأتي، ثم لاحقاً تتصل لتعيدني للمستشفى من منتصف الطريق. كان النقاش يدور حول رفضي لنوع عنيف من الإنعاش، وبنفس الوقت رغبتي بنوع أرق من الإنعاش في حال توقف القلب، والخيار غير مطروح لديهم. بشرتني الممرضة بفرح ذات مرة بأن أمي غضبت منها وهي تعتني بها، وحينما دَخَلَت الممرضة للعناية بأمي سمعت أمي تئن باعتراض أعرفه، أثلج قلبي وأطارني فرحاً، وكانت الممرضة تعتذر وتواسيها بحنان.

لن أفرح مرة أخرى كفرحي ذاك.





"لاحقاً، أعلنوا أنه بات لديهم عيادة لطبيب بالطب الصيني والبديل، ويبدو أنه مشهور وله مناظرات باليوتيوب. وبدا أنه سوري متسعود الحضور. كانت دعاياتهم شديدة الحماس وكثيفة في حالتهم على الوتساب. حجزت موعداً وزرته، أخبرته بعلتي، لكنه سأل أكثر، وذهل بالعلل التي أصابتني في هذه السنوات، وكثرة الأدوية. قال بأنه يريد أن يعالج كل هذه المشاكل، وليس ما شكوت فقط، فكل شيء مرتبط، ويجب أن ارتاح وأقلل الأدوية. كان ذو لحية طويلة، وصوت هادئ، ورغم بنيته العادية إلا أن يديه بحجم الخبزة متوسطة الحجم ما شاء الله تبارك الله، وأصابعه كصاموليات صغيرة وقد ضغطت عليها بقية الأغراض في السلة في السوق ما شاء الله تبارك الله، وفكرت بكيفية وضعه للإبر بدقة بأصابع كهذه، قد يكون أمر عادي إلا أن رؤية الإبر الدقيقة يُشعر المرء بأنه كلما صغرت اليد كلما كانت أدق، وربما وَضْعها بملقاط هو أمر يبدو منطقي لمن مثلي لا يفهم بهذا الطب.
العجيب أنه لمس مناطق دقيقة في يداي ورسغيّ وكتفيّ، أصابت أصابعه بخفة نقاط محددة صغيرة، ولا أدري كيف وقعت سبابته العملاقة ما شاء الله تبارك الله بهذه الدقة على نقاط في رسغيّ شعرت بها تؤلمني فجأة ولم تؤلمني من قبل قط، وكانت لمسة أو وضع اصبع، لم يكن ضغطاً قوياً أو ضغط بذكر حتى، كان أمر عجيب، وكان يهمهم مفكراً. وانتقل إلى كتفاي، وبالمثل لمس نقاط محددة وآلمني بعضها، وبعض لم يؤلمني، ورغم أني لا أشكو من شيء في كتفاي، إلا أنه ضغط على نقطة آلمتني أشد الألم، على نحو أجفلني، وكان يقول ايه ايه صح، بك برد. ونقطة أخرى كذلك، ولا يؤلمني غير موقع اصبعه حينما تؤلمني نقطة، وهو يختار النقاط وكأنه يضغط أزرار محددة ما شاء الله تبارك الله. لو لم يأت من علمه إلا هذه النقاط العجيبة وتأثيرها لكفاك لتَعجب.
قال بأني أعاني من برد مزمن. استغربت، أخبرته بأني لا أشعر بشيء، وسألني بإنكار لماذا آتي إليه بهذه الملابس الخفيفة الباردة بهذا البرد؟، أخبرته بأني أكاد لا أشعر بالبرد أبداً، وأني بالواقع منذ سنوات الآن أحياناً أتوهج حرارة عالية من غير تعب، وكأني أُشع. وهو أمر لفت نظري. أقول هنا، منذ سنوات يسخن جسمي فجأة كله متوهجاً حرفياً بالحرارة كالمدفئة، بلا ألم أو تعب أو إرهاق، إلى درجة أني أضع كفي الأيسر فوق يدي اليمنى والذراع دون أن أمسها، وأشعر بالحرارة تشع وتتوهج، حتى من وجهي. وهي حالة لا تدوم طويلاً، تبدأ فجأة وتذهب فجأة.
قال بأن هذا يحدث لأن جسمي يحاول أن يطرد البرد بالحرارة.
أضاف بأن أعضاء جسمي خاملة جداً، وهو رأي طرحته الطبيبة الصينية. سألني أكثر عن النوم والنشاط، وهذه الأمور. نصحني بطريقة علاجية أقوم بها، مع توصيته بالقيام بجلسة علاجية تتضمن الإبر والحجامة الهوائية والحجامة العادية. قال محذراً بأنها ستكون جلسة ثقيلة وقوية، تستمر لساعة أو أكثر. كان أخي قد صحبني، فقلت بأني سآتي لاحقاً إن شاء الله للجلسة، حتى لا يتعطل أخي. كانت الجلسة مكلفة جداً، لكن لأجل العافية كل مادة تهون. بدا أنه ظن أني لن أعود، فأصر على الاستمرار على ما اقترح من علاج، فوعدته.

عدت بعد أسبوع، وقد فهمت الآن بأن المركز على غير وفاق معه على ما اظن، لم يعودوا إلى نشر دعايات له مع دعاياتهم، ولم يعودوا إلى حجز المواعيد له، فقد أصبح الحضور والدخول بلا موعد.
سددت المبلغ ودخلت. أدخلني إلى غرفة بها شاب مساعد له، بدأ بتجهيزي للجلسة، وانبطحت على سرير إذ أن الإبر ستكون على ظهري في معظمها، وقد فوجئ حينما أخبرته في الزيارة الأولى بأن الأخصائية تضعها معظم الوقت على صدري فما أسفل حتى قدماي، ولكنه علق بأدب بأن كلٌ له طريقته. حينما جاء سمى بالله وبدأ بغزي بالإبر. فوجئت بالإبر الأولى في أعلى رأسي. وصار ينزل بالإبر، وكانت مؤلمة، خصوصاً في الرسغ، وهو أكثر مكان كرهت في الإبر مع الأخصائيات الصينيات. كان عدد الإبر كبيراً حتى وصل إلى فخذاي، وكان يتحسس كل مكان قبل أن يغزه بالإبرة على نحو غير خفيف. حينما بدأ بتلمس خلف ركبتاي نهرته بحزم وقلت بأن لا يضع الإبر هنا، وكنت صارماً، فاستجاب بعد تكراري التحذير بحزم يقارب التهديد، لأني لا أقوى حتى على تخيل الأمر، إني أتخيل بأنه يشبه وضع الإبر في إبطي. مضى إلى ساقاي، ثم ما يطول من مشط قدمي اليمنى. لكن ما لم أتوقعه ولم يخطر لي على بال أنه سيفكر بوضع الإبر في أخمص قدمي. وحالما بدأ بتحسس المكان حتى صحت بذعر وبقوة وتهديد لا، لا تضع شيء هنا، ولكنه لم يكف عن التحسس فازداد صياحي ارتفاعاً حتى صار زعيق مذعور لاااا لاااا، ضحك هو والشاب متفاجئين وظل يتحسس وهو يقول شوي شوي بس، ولكني صحت بأعلى صوتي وحينما فكرت بالتحرك وهممت آلمتني الإبر في سائر جسدي، فكنت مكتوف الإرادة، لا أقوى على شيء، فازداد صياحي أكثر وأعلى؛ لاااااا لاااااا. كانت فكرة وضعه إبر في أخمص قدماي مثل وضعه إبرة في كفي، فكرة لا أقوى على تحملها، مثل وضع الإبرة مثلاً بالإبط، أو في الحالة التي حذرته منها؛ مَثنى الركبة. أنا بالكاد أحتمل التفكير بإبر في رسغي، لكن ما باليد حيلة. بدأ صياحي المستمر يخيفهم ويوترهم، وهو يتحسس قدمي حتى وضع الإبرة، فصمتُّ مذهولاً مصدوماً، ولكنه سرعان ما اتجه إلى أخمص قدمي اليسرى فانفجرت مكرراً لااااااا لااااااا، وكانوا متوترين بشدة بعد ضحكهم الأول، إذ عرفوا أن الموضوع جدي، وأنا كنت فاقد للتحكم بنفسي، إني لم أشكو من ألم شيء حينما وضع الإبرة الأولى، لكني لا أطيق الألم المعنوي، ففي الواقع؛ لم تؤلمني الإبرة حيث وضعها في أخمص قدمي، أكاد أكون لم أشعر بها، فالجلد بطبيعته قوي وسميك حيث يدوس الإنسان الأرض، لكن الألم المعنوى هو أمر غلبني كالعادة، وكانت تجربة أولى كذلك لا تحتمل، وليست مثلاً إبرة تطعيم أو سحب دم؛ مؤذية نفسياً ومخيفة لكن متوقعة ولا حيلة تجاهها. استمر الصياح قوياً لاااااا لاااااا، ولو لم تكن عيادة طبية، لظن من يسمع من الخارج بأن أحد ما يُقتل بالداخل، أو أسوأ. قال الطبيب بتوتر: شوي بس شوي. لم يؤثر عليه مثلاً تحريكي لقدمي، لأني لم أحركها أصلاً فيصعب عليه التركيز ويخشى الخطأ، لكن عويلي وتّره كثيراً بشكل واضح. حالما وضع الإبرة صمتُّ مذهولاً مرة أخرى. قال مبرراً بصوت من فقد الحيلة؛ لازم أحط الابرة هنا والا أنا بوسوس. كنت قد أخرجته عن طور شخصيته الرزينة الثقيلة وهززته بوضوح، وهو أمر آسف له، لكن المؤسف أكثر هو الألم المعنوي الذي شعرت به، والإحساس بالخيانة للثقة لحظتها، لأنه لم يحذرني أساساً.
تركني لبعض الوقت بالإبر، كما جرت العادة، وأطفأوا النور وخرجوا، فبدأت أهدأ، وبدأ يحل محل الصدمة والذهول الغضب والغيظ الشديد. حينما عاد بدأ بنزع الإبر، والشاب ينزع معه وهو يوجهه، وبدا لي أن الشاب السوري متدرب لديه. لا أتذكر هل كانت الحجامة الهوائية قبل أم بعد الغز بالإبر، لكن الحجامة العادية التي تسيل الدم هي الأخيرة بكل تأكيد. وحينما بدأ الشاب يجهزني لها جاء الطبيب وجرحني بمشرط تحت كتفي مباشرة، ولكني حسبتها إبرة، فتذمرت بضيق وقلت بصوت مرتفع، وعلى نحو صفيق مؤسف إذ تنكدت حقاً: يوووه يا دكتور ما خلصنا من الابر عاد؟!. فقال بصبر بأنها جروح بسيطة لأجل الحجامة. كانت المرة الأولى ولم تتكرر حتى الآن، التي أخضع بها للحجامة. أُكبره صدقاً لأنه لم يتأثر بنكدي، ولو كان طبيباً سعودياً لكانت فرصة لردة الفعل الطفولية والقاسية التي يحب الاطباء السعوديين اتخاذها، وينتظرون مناسبة وفرصة لها بفارغ الصبر، دون تقدير شعوري الذي أمر به، سواء فهم شعوري أم لم يفهمه، كما الحال مع هذا الطبيب السوري، إذ يغلب على الأطباء السعوديين ومن زاملهم طويلاً من الأجانب العجرفة واستحقاق الموقف المتصاغر والمداهن والخالي من السؤال أو ردة الفعل الطبيعية دون تفكير من المريض أو المرافقين أو الآخرين بشكل عام، استحقاق يرونه لأنفسهم واجب في كل الأوقات وتحت كل الظروف، خصوصاً بالمستشفيات الحكومية، مما يدل على شكل من النفاق حينما ترى الإختلاف بالمستشفيات الأهلية، لأن المجتمع قد خضع لهم بالإكبار والتقدير الذي قد لا يُقدم بلا جدل لمن يستحقه بلا شك، بأخلاقه وهيبته ومكانته المستحقة كشيخ جليل أو مفتي أو فاعل خير كبير حسن النية لا يطلب بالمقابل شيء، وهذا خلل كبير بمجتمعنا الذي وصل أعضاؤه إلى مفترق طرق فكرياً منذ سنوات أكثر من أي وقت مضى.
كم أكرههم، وأشقائهم الدكاترة الأكاديميين السعوديين، قبح الله وجوههم، إلا من شاء أن يرحم منهم. هم هكذا لأنهم لا يخضعون للرقابة والمساءلة، وإن خضعوا فلن يتمخض الأمر عن شيء، لأن من يسائلهم هو دكتور سعودي مثلهم، يشاركهم المبادئ، ولا يريد أن يفتح الباب على مسائلة الدكاترة بحيث تكون متوقعة ومُنتظرة النتائج العادلة.
حينما فرغنا، أخبرني الشاب بوضوح وتأكيد بعدما خرج الدكتور بأن لا أستحم قبل يوم كامل أو شيء من هذا القبيل. خرجت دائخاً متنكداً، وقد تأخرت أكثر مما توقعت بكثير، وكانت أمي بحالة غير جيدة ولم تنم بعد أو تأكل، رغم إلحاح أختي وأخي الزائرين بغيابي، لكنها أكلت، ونامت حينما سألتها ذلك.
أعطاني الطبيب تعليماته، وأخبرني بأن أعطيه فكرة عن حالي بعد ثلاثة أسابيع. لم أر أي تحسن للأسف. طبعاً كان التواصل بإرسال رسائل عبر رقم المركز، وليس رقمه الشخصي. لكني فوجئت به يراسلني من جواله الشخصي ليرد، ثم لم يصبر فاتصل. تكلمنا وكان مذهولاً من عدم استفادتي. وجهني بعض التوجيهات، وأكد على أن أخبره بما يجري بعد ثلاثة اسابيع أخرى من الالتزام بما قال. للأسف، كان رمضان سيحل، وقبل رمضان أكتشفنا بأن تعب أمي القديم قد بدأ يعود، وهي ولله الحمد لا تشعر بشيء، لكنه أمر خطير.
انشغلت بأمي، ومواعيدها المستجدة والتحويل إلى مستشفى التخصصي والإتيان بالمتطلبات، حيث قالت الطبيبة بالتخصصي بأنه للأسف المستشفى الجامعي هو الوحيد الذي لا يوفر أي من المتطلبات مع التحويلات إليهم. كانت طلبات كثيرة ولم تمر علي من قبل؛ عينات وخزع من الورم القديم قبل أكثر من 20 سنة يحتفظ بها المستشفى الجامعي، وتقارير وأشعة مسجلة وأمور مشابهة، وعلى اني اطوف المستشفى الجامعي منذ أكثر من عشرين سنة بكثير، إلا أني دخلت أقسام ومتاهات لم أرها أو ادري بوجودها من قبل. والإشكال أن الأمر جاء وقد خضعت لعملية تصحيح نظر، فكان التردد في الجامعي والتخصصي أمر متعب، حيث لم أقد السيارة بعد، وللأسف لم يتفهم ويستمر بنقلي من ساعدني بالبداية.

كان الطبيب الأساسي بالتخصصي قد استبق فهم ظروفنا بعدم الفهم والتفهم، وطبيعة أمي كامرأة كبيرة مُتعبة، وهو أمر ليس بالغريب على طبيب سعودي، على أنه للأمانة لم يقل شيئاً، لكني افهم النظرات المستنكرة المزدرية حينما أراها، لما فتحت باب المكتب وأطللت خارجاً تجاه مكتبهم بالجهة المقابلة، لأنبه الطبيبة المُساعدة لصعوبة الانتظار، إذ كانت تناقشه بحالة أمي. بيد أنه لما دخل علينا، بدا أنه فهم بأن أمي متعبة حقاً إلى درجة نفاد الصبر وقلة احتمال البقاء في ذلك المكان جالسة على الكرسي المتحرك، كانت متوترة لا تريد البقاء لديهم. لما فرغنا واتفقنا على مزيد من الفحوص وتكلمنا عن الحلول الممكنة، ورد علي رد العارف اللا مبالي بأهل المريض حينما يطلبون المساهمة بما يكمن، وكأننا كلنا شخص واحد يتكرر بذات الظروف. نقلت إليه سلام طبيب أمي الذي ارسلنا إليه، وهو يتابعنا منذ اكثر من 20 سنة. ابتسم متفاجئاً وامتدح الطبيب، وألمح بأنه معلمهم او شيء من هذا القبيل، وسألني أن أرد له السلام. لم أفعل في تواصلي التالي مع طبيبنا الأصلي، لأني تعلمت بأن الكثير من الناس لا يُقدّرون هذا الشيء، خصوصاً جيئة وذهاباً بالسلام والمجاملات، ومهما كان الدكتور السعودي طيباً، بقدر ما يمكن لدكتور سعودي ان يكون، ولا يجب توقع الكثير، إلا أنه عُرضة دائماًً لإساءة الظن والاعتقاد بأن من يكلمه يريد استغلاله، أقول هذا رغم حبي الصادق والكبير لطبيب أمي الأساسي.
لكن في الزيارة التالية إلى التخصصي، كان موقف طبيبنا الجديد قد تبدل للأفضل بكثير من حيث التفهم، وبات ودوداً عطوفاً، وبدا أنه يعرف عني وأمي وحياتنا الكثير، واستشفيت من هذا انه تكلم مع طبيبنا الأصلي ولعله أوصاه بنا خيراً. خلصنا إلى أنه من الأفضل الانتظار والمتابعة، لعل الأمر يتحسن من تلقاء ذاته، وهو أمر يحدث، وقد حدث قبل سنوات ولله الحمد. خرجنا متفقين، للمتابعة، وقد اوصاني بالعودة إليهم في حال احتجنا إلى أي شيء، وإن رغبنا بالقدوم إلى الطوارئ فلأخبرهم ليطلبوه فيأتي لأجلنا، وتكلم عن علاقتي بأمي وثقته برعايتي. كنت قد بدأت بأمي بالفعل لتشرب من شجرة تعالج المشكلة بإذن الله، إذ جربتها من قبل، حينما حدثت نفس المشكلة قبل ستة سنوات تقريباً، ومع اشخاص آخرين كذلك."

لم يكن لهذه المشكلة شأن بوفاة أمي، رحمها الله.

أتواصل مع طبيب أمي القديم حتى مؤخراً، حيث أنه هو مر بظروف صعبة أيضاً خلال وجود أمي في المستشفى الأول. كان أمر مريع؛ حادث خطير لأفراد من عائلته بعيداً عن الرياض. كان صوته فاقد للاتزان. لم يتوفى أحد والحمد لله، لكن لم يكن أمراً مسبتعداً لسوء الإصابات. ظللت أتابع معه حالهم، حتى فهمت مؤخراً أن آخرهم قد شفي ولله الحمد وبات على ما يرام، مثل من قبله. لم يعد من شيء لأسأل عنه الآن.


"من شعر من قبل بالملل من الأخطاء؟، وكأنها كانت هواية، طوال العمر. ينتهي الأسف، ويحل محله الملل، والضيق والسأم والقرف المكبوت. يتعجل المرء ويختار الخيار الصحيح والمريح، فقدان الثقة بالناس، لم تعد الخيانات والتقلبات جارحة ومثيرة للحزن. يوجد عزاء في توقع أي شيء، ولا شيء. يصبح المضي بالأيام استسلام لتشابهها أخيراً، وتخلٍ عن كل الرغبات والطموحات والتلهف، تقبل للإرهاق والتعب والمضي للأمام، وليس الأمام الذي يقوله الناس تعبيراً عن الأمل والتجاوز، إنه الأمام الذي تندفع به الورقة الذابلة، عديمة القيمة وعديمة الفائدة، فوق سواقي الماء، لا يوجد خيار آخر، ولا يوجد إرادة للمقاومة أو فعل أي شيء. إنه تعب، ليس تقبل ولا رفض، إنه تعب فقط.

مضت سنوات وأنا أكتب هنا، هذه التدوينة فقط، وحينما أنظر إلى أعلى، أكاد لا أرى أي جدوى لقول أي من هذا للناس. مع ذلك، هناك من ينتظر، ويقرأ كل كلمة ويتلمظها في عقله، يلوكها ويبحث عن معنىً لأي شيء على مر السنوات، عن عقدة هذه الحياة المكتوبة، إلى أين ستصل وما الغرض. ثم يتوقف وينفصل، ويمضي بحياته ذات المعنى على الأغلب، بينما أقف أنا على أعتاب هذه الكلمات، أبدأ وأنتهي مع بداية ونهاية كل تدوينة في وعيه، قصة بعيدة أجنبية لشخص يبدو غير حقيقي، لا يتذكره أحد بشوق وأمل. أفترض المعنى في حياة الآخرين، لأني غير قادر على مشاركة من لا أرى ولا أقرأ عنه وحدته؛ هل يوجد من يشعر بالوحدة غيري؟ لا، هكذا يبدو."




سعد الحوشان

الأربعاء، 18 مارس 2026

ثرى

 بسم الله الرحمن الرحيم





أتساءل إن كانت أدمغة الناس تعمل بالسرعة والتطاير الذي عشته طوال عمري. ليس أنه يصعب علي التركيز على شيء محدد، لكن يتطاير ذهني هنا وهناك بنفس الوقت. إن ذهني كالقمع المعدني الصغير، في قاعه ماء بارد صافٍ هادئ، هو وعيي الآني. وبلا مثيرات ولا اهتزاز أو وقوع أجسام وشوائب. تتطاير منه كل وهلة وأخرى، في جوف الدقيقة الواحدة، قطرات صغيرة من تلقاء ذاتها إلى الأعلى، تمس فكرة أو ذكرى تطوف في محيط وعيي الآني، ثم تقع إلى أصلها بلا صوت، لقد أخذت معها جزء من وعيي البعيد وعادت به.

إن جل ما يداهم ذهني الآن هي أفكار وذكريات ناعمة، هادئة، سريعة، واضحة كرأي العين، عن أمي، طوال الوقت، وأنا أتكلم، أو أضحك، أو ألعب، أو أنهمك بعمل ما. يخيل إلي أحياناً بأن لي عقلين يعملان بالتوازي. جرب أن تكتب بكلتا يديك في نفس الوقت، يد عن الحاضر ويد عن الماضي.

لطالما كان عقلي سريع العمل دائمه، إلى حد الإرهاق. وليست علامة ذكاء أو حكمة، إنما ابتلاء فقط.


لن يحبني أحد بذاك القدر، الحب واللهفة التي خصتني بها حتى آخر لحظات وعيها، قبل وفاتها بأيام. ولن أحب أحد بهذا القدر، كل القدر الممكن، بائن وخفي، كل ما يمكن لقلبي أن يجمع من حب، الذي اختصت به أمي. لن يكون للحياة قيمة، باتت مجرد وقت.

يا للعجز… ماذا بوسع المرء أن يفعل…







أنظر حولي في صالة المنزل، وأتذكر مكانها منه، في مختلف الأوقات، وما كان يحدث، وما كان يقال. كيف انتهى كل هذا. أدخل إلى غرفتها ليلاً، ولا أنظر إلى مكان سريرها في مرضها، لكن مكانه حينما كانت بحال أفضل، حيث كانت تستلقي كل ليلة، فأواسيها عليه، وأغطيها وأقبلها، وأعطيها خدي لتقبله.

أحلم بها، أتمنى أن أراها، ولو لم تقل شيئاً، أو يحدث شيء، آسف وأحزن إذا لم تزرني بالمنام. قلت للآخرين وهم ذاهبين في منامي ذات مرة؛ لا، أريد أن أجلس مع أمي.







بعدما نشرت كتابتي الفائتة في ذات اليوم، فطنت وشعرت بالخزي، لم أتعمد الجحود، إذ نسيت أن أشكر الشخص الأهم الذي وقف معي حالما طلبت منه، بلا تردد أو تفكير. كنت في أشد الحاجة وقد أسقط بيدي، حيث انتهى تحمل تأمين أمي رحمها الله. شكراً لابن خالي؛ محمد بن عبدالكريم، شكراً على موقفك وعجلتك بالاهتمام رغم انشغالك وضيق وقتك، خصوصاً في تلك الفترة التي تواصلت بك خلالها في مأزقي ذاك. لن أنسى اهتمامك وحرصك ما حييت. لم يكن لدي شك بأنك ستهتم في أمر عمتك، ربما عمة والدك عمراً، لكن حسن تصرفك وسرعته، كما تعاملك مع حتمية الأمر بلا تفكير أو اختيار أو تساؤل، هي أمور لم تكن معروف لأمي فقط لكن معروف بي أنا؛ طمأنينة لقلبي المأزوم، وشعور لم يستثنني من الاهتمام والمشاركة والرحمة. إني أتذكرك كل يوم، لكني لم أُوفق في ما كتبت سابقاً.

إنه لأمر مؤسف، لابد من النسيان، عسى الله أن لا يجعلني جحوداً منكراً.







إني مهرج، مرسومة الابتسامة على وجهي رسماً. أفرح بمن يزور من ابنائنا لأني أحبهم جداً، لكن لا يهدأ ذهني، ولو علموا لما علموا ما يصنعوا بي، لربما كان هذا الخفاء رحمة بمن حولي. إنها سكتات صغيرة، ربما وأنا أتكلم، ربما وأنا استمع، ربما وأنا لا أفعل شيء. أحياناً تصبح برودة تغشى صدري كاملاً، ووهن في قلبي، وأنا أستمع وأنظر باهتمام إلى محدثي.

كثير في كل مكان ما يذكرني بها، أقربها قلبي.

لا زلت أتساءل، كيف راحت وتركتني؟، لا أشعر أنه كان يومها، لقد كان يومها، لكن لم يكن، لا أدري.

إن قدراتي تقصر عن إستيعاب وفاتها، إني أصل إلى حد معين، بالتسلسل الصحيح، ثم أتوقف عنده لا أدري إلى ماذا أخلص، تتكاثر التفاصيل كلما اقتربت من هذا الحد، لا يعود التسلسل سليماً، إنما يصبح فروعاً منتشرة كثيرة كشعيرات الدم، أعود إلى الوفاة بحد ذاتها، وألمها، لكني لا أخلص إلى شيء، يبدو أحياناً أنها ما ماتت حقاً، وكأن هناك عنصر مفقود في التسلسل أو في الفروع، أو أمر عصي على إدراكي، أمر يعرفه أحد ما ولكن ليس أنا، ثم أبدأ بالتراجع والتقهقر إلى التفاصيل قبل النهاية، وأعيد. إنها حلقة مفرغة لا خلاصة أو نهاية لها.

كيف تركتها لآخر مرة…

ما باليد حيلة…


أشتاق إلى رائحتها، رائحة الورد، وحينما أجد ريحه لا أتحمل فأترك الشيء. إني لم أضع العطر منذ فترة طويلة، كان خوفاً على صحتها في وضعها المتدهور أخيراً.

أشعر أحياناً بأنها لم تمت. تساءلت عند قبرها، هل تركتها هنا حقاً؟. لو تُركت إلى جانبها، لكان أريح.

الآن وأنا أكتب في حجرتها، المتروكة نصف خالية، أعرف بأن العمر لم يكن ليكفني أبداً معها.


إني أضحك وأقهقه، وأفرح بالقادم من الزوار وأرحب، لكني أحياناً أشعر بأني أرى هذا الذي يضحك من داخله، وكأني مغلف به.







تتعبني زيارة الصيدليات، إذ لابد من رؤية شيء مما اعتدت شرائه لها. صُدم الصيادلة حينما سألوا عن أمي وأخبرتهم. لست أحب إخبار أحد، إطلاقاً، لكنهم أصحاب معروف. على النقيض، أجد نفسي أتأمل، ربما أكثر هدوءاً وأماناً، حينما أزور المستشفى الذي أطالت البقاء به قبل أن تعود للمنزل في المرة الأخيرة، زرته مرتين لغرض، وأغراض. لا أدري ما سبب هذا الشعور. لكني لا أفكر بزيارة المستشفى الذي توفيت به، رغم أنه أقرب، إلا أني أتمنى لو رأيت الممرضة التي اعتنت بها هناك، وعطفت علي. وكذا الممرضة في المستشفى الذي انتقلت إليه بمساعدة ابن خالي، جزاه الله خير الجزاء، كانت امرأة حنونة. لكن كيف؟.

إن ما يحطم قلبي، هو حينما نمر أو يأتي أحد ما على ذكر المستشفى الذي أطالت أمي البقاء به، ويذمه، ويتهمه بالتسبب بالتدهور المتسارع لحالتها، رغم الظروف السابقة. إني أتعب وأتأزم، بصمت، لكن للّحظة ذيل طويل، طويل.







طاردتني مكالمات من المستشفى الذي توفيت فيه أمي لفترة طويلة، كانت مكالمات من موظفين لا يعلمون بأنها توفيت، يريدون رأيي بالخدمة أو إضافة مواعيد، لا أتذكر. كنت أخبرهم في كل مرة بذلك، فيصابون بالصدمة والإحراج. أخبرتهم في أحد المرات برجائي أن يكفوا عن الاتصال، لكن لم يكفوا إلا متأخرين بعدما رجوتهم وأخبرتهم بأني تعبت وأن هذا رابع أو خامس اتصال منذ الوفاة.

في هذا الرمضان، وصلني اتصال من مستشفى آخر، كانوا قد وضعوا خطة علاجية لأمي قبل أن تمرض. كانوا حينما رأوا أمي متعاطفين جداً رحومين، وقاموا بكل ما يمكن لمساعدتها حتى وضع الخطة وتخصيص موعد قريب في عيادة خاصة. لم نحضر أي موعد علاجي، كانت قد دخلت المستشفى، ثم خرجت بحال لا يسمح. جاء هذا الاتصال يسأل بلطف عن حال أمي، وما جرى على وضعها الصحي، أخبرته بأنها توفيت. تأثر بشدة، وعزاني. لا أدري من هو، لكن جزاه الله عناً خيراً.

حينما اتصلت طبيبة أمي في العناية المركزة، تخبرني بوفاتها، لم أدري ما أصنع، أو بماذا أشعر، حتى مر بعض الوقت. أخبرت أعز الأصدقاء، ربما الصديق الحقيقي الوحيد، وأخبرت أخي الكبير. كان صياح الخادمات عالياً.

كيف ذهبت وتركتني…




يوقفني الجهاز هنيهات لأتأمل، يريني جبال لأرتاح. لطالما قالت بأنها تحب الجبال.





مقتطفات مما كنت أكتب في السنوات الفائتة:


" توفيت خالتي رحمها الله، ولا زال الأمر عصي على الاستيعاب. هي خالتي الوحيدة من حيث الدم، وقيمتها في قلبي لا أعرف من أين تبدأ وأين تنتهي. إني بطبيعتي آمل بأن يعيش من أحب إلى الأبد، ولا أفقد الأمل مهما كانت الظروف، على عدم منطقيته، لأني لا أغلب نفسي في بعض الأمنيات. لعل المرة الوحيدة التي شعرت بها بقرب وفاة أحد كانت وفاة والدي رحمه الله؛ ولم يكن الأمر يتعلق بتدهور مفاجئ بصحته، رغم أنها كانت تنحدر لطبيعة مرض الخرف، لكنه شعور داهمني فجأة. لم يطل الأمر، وتوفي رحمه الله، وكنت قد صُدمت لأني اعتقدت، أو أملت، بأنه لو صدق شعوري فيسكون بعد أشهر عدة.

أما خالتي، فكنت متفائلاً بوعي وبدونه بأنها بإذن الله ستتخطى الأزمة، وكانت قد تعرضت لمتاعب صحية من قبل وتخطتها. زرتها في المستشفى، وفي آخر مرة زرتها هناك قبل أيام عرفتني حينما سألتها من اكون.

قيل لي وأنا في العمل بأن صحتها في تدهور، لكني لم أفقد الأمل، إلا أني علمت بضرورة تواجدي هناك، إلى جانب زوج أختي وابن خالتي. تم إخباري لبعض الوقت أن أصبر عن المغادرة، لكن لم يطل الأمر عن ربما نصف ساعة حتى قيل بأنها توفيت. غادرت إلى المنزل لأرتب أمر غيابي، ثم ذهبت مباشرة إلى القصيم.

كانت أمي هناك لدى أختي حينها، زوجة نسيبي المعني. كانت أمي في إجازة نادرة عن الرياض، ربما لثاني مرة فقط عبر السنين. وجدت أن أمي قد علمت بوفاة أختها الوحيدة، عزيتها وبكت.

لا أعتقد بأني أيقنت أنها مضت تمام اليقين حتى رأيتها تدفن، رغم أني سلمت عليها في كفنها وقبلتها وأنا أبكي ألماً، وقد عجزت عن تركها وعدت لأقبلها مرة أخرى. كنت أفكر؛ كيف يدفنونها هكذا؟، كيف يتحملون؟ كيف تترك في جوف الأرض هكذا، كيف أراها توضع هناك ويسد عليها باللِّبن فلا نراها بعد ذلك، هكذا، إلى الأبد، بكل هذا العجز الذي يشل القلب ويحبط الروح. لم أشعر من قبل بأن كسرة من قلبي المتبلور، الذي لا يكاد ينبض، قد دُفنت. لا بد أن قلبي التالف ثمين، فقد كانت كسرة من ياقوت. ورغم حبي لوالدي، إلا أن هذا نوع مختلف من الفقد، لا يقل، إنها أمي الثانية.

كان كثير منا قد جاء من الرياض، وكان الإرهاق على كافة المستويات والاستنزاف واضحاً. لكن أيام العزاء كانت غريبة، وكانت تستوقفني الأفكار فجأة؛ كيف نتكلم؟، كيف ندلَه، وهي قد توفيت؟. لم أستوعب، ولم يكن هناك طريقة للاستيعاب مع كل هذا التبدل بالمزاج والمطالب، والناس جيئة وذهاب. حينما أفطن، كنت أشعر بأن هناك أمر ليس في محله، إنه في ذهني، لكني لم أفهم ما هو بالضبط، هناك خطأ لم أستطع تحديده، حيرة غير مسبوقة، لم أمر بمثلها من قبل. حاولت أن أفهم، لكن كل ما كنت أتوصل إليه هو أنه يوجد خطأ، لم أقم بأمر ما على الوجه الصحيح، الوضع كله ليس كما يجب أن يكون. حاولت أن أبلور الأمر لأختي الكبرى في محاولة لأفهم أنا، أخبرتها بأني لا أعجز بالعادة عن توصيف الأمور، لكن هنا، لا أدري ما العلة، يوجد خطأ ما. حاولَت أن تساعدني على الفهم، وقد لجأتُ للتحدث لعلي أفهم وأتوصل لشيء. لم أتوصل سوى إلى أنه كان يجب أن أُقسم إلى نصفين، نصف يبقى هنا حيث يراد له أن يكون، ونصف يعود إلى الرياض ليجلس وحده، كما يجب أن يكون.

كيف تكلمنا ولهونا؟. الآن بعدما عدت إلى الرياض، أجد نفسي أسحب خيوط أفكاري المتروكة برفق وتركيز، كما قد يسحب المرء الخيوط من الشاش وهو يأمل ألّا تنقطع، وقد فرده على حجره يمعن إليه النظر، وأنا أحاول أن أجد الفكرة الصحيحة، لفهم الوضع. لا زلت كذلك بعد ثلاثة أشهر.

مع ذلك، لا زلت لا أفهم جيداً رغم محاولاتي، أعتقد أن بقائي هناك هو ما أوصلني إلى هذا الحال، من عدم الفهم، ومراوحة مكاني نفسه الذي علقت به هناك.

ألوم نفسي بأنه كان يجب ألَا أبقى هناك، أن أعود لأفكر، وأنا أعلم بنفس الوقت بأنه كان يجب أن أبقى هناك، ولا خيار آخر لدي، حتى لو شعرت هناك بعدم فائدتي، وعدم تقديمي لنفع حقيقي واضح. أشعر بالحنق وأنا أدري بأني غير ملام، لكني لا أقوى إلا على لوم نفسي، ولا أدري ما السبب. والآن مع الوقت، لا تغيب خالتي رحمها الله عن ذهني، كل يوم، كلما أسهم، تدمع عيني أحياناً، خصوصاً حينما أستلقي ليلاً لا أنشغل بشيء آخر، حيث تنتهي المسؤوليات إلى حين، هذا الوقت مؤلم، مؤلم جداً، إني أخشى قدومه. كان يجب ألا أنشغل بغير نفسي يوم توفيت، والآن أنا عالق.

كثرت الوفيات، أشعر بأن الأمر بات يفوق احتمالي، أعلم بهذا حينما أكون لوحدي."



" الآن، وأنا في عمري هذا، أشعر وأقتنع بأني كنت طوال حياتي أبلغ الأربعين من العمر، إن سعد الذي كون صداقات ومعارف وغامر وأغدق من اهتمام وحنان ولطف، وتلقى القليل منه إذ رضي بأوقات نادرة، هو سعد أتذكر بأني أعرفه."



"قبل فترة كنت أتأمل وأنا أمشي، بعد شعوري بالخسارة النهائية لآخر ما أملت به، الخيبات الشبيهة التي تعرضت لها، كسور القلب التي لا تنجبر، الإحساس بالهامشية وسهولة الاستغناء عن الوجود لدى كل ممن أجهدت بإرضاءهم في وقت سابق. توقفت لأنظر من بين المباني المألوفة، فرأيت طائر صغير لا يطير مثل الطيور التي أعرف، كان ينزلق عبر الهواء بسرعة، ولم يكن شكله أو بناء جسمه كطيور الخواطيف المهاجرة. حاولت أن أعرف ما هو أو كيف شكله، وكان منظره وهو يطير بسرعة وينتقل من جهة إلى أخرى بسرعة غير عادية أمر عجيب لم أره من قبل هنا، ورغم محاولتي الحثيثة لتبين تفاصيل شكله لم أستطع. ابتعد الطائر وهو يأخذ اتجاهات بدت عشوائية حتى اختفى خلف المبنى المجاور. إني لا أدعو الله عادة إلا لأمي، ووالدي رحمه الله، والأموات من الأحباب، لكني قررت أن أجرب فدعوت الله أن يعود الطائر. فعاد، ثم دعوت الله أن يمر بقربي، فمر فجأة بقرب شديد. سُررت، وفكرت بأنه ربما كان كل ما أردت من قبل لم يحدث لأنه لم يكن خير لي، رغم انفطار قلبي، وهو مفطور على الدوام. وفكرت، بأني بالواقع لطالما دعوت الله لأمي، خصوصاً حينما تمرض أو تصاب بمكروه كالسقوط والكسر، وقبل ذلك من تكرار لمرض شديد، ولطالما شفاها الله لي. ورغم انه بكل تأكيد هناك من هو أصلح مني يدعو الله لها وهم أجدر بالاستجابة، إلا انه بالنهاية شُفيت أمي وقَرّت عيني بها. والآن هذا الطير الجميل بقدر ما سمح لي ان أرى، سُمح لي ان أراه مرة أخرى عن قرب، بعد دعوة.

مضيت وقد بدأ صدري بالانشراح، شعرت بأن أمر رغبت به وهو خارج حيلتي وإرادتي قد حدث لي أخيراً، ولا أجحد نعم الله علي، ومنها الارتواء والشبع والستر.

بعد قليل، كنت في مكتبي حينما اتصلت أختي فجأة تخبرني بأن الخادمة الجديدة اتصلت بخادمتها تبكي فزعة تقول بأن أمي لا تتنفس. قفزت لا ألوي على شيء، وقد كنت أشعر بالذعر وضعف الحيلة. فهمت بأنه من الصعب أن أرضى، أن ارتاح، أن أركن للأمان. أذهلني بالمقارنة تفاؤلي الذي يشبه البذرة التي استشعرت رطوبة التربة العقيم أخيراً، قبل قليل بسبب طائر.

تواصلت مع الطوارئ، وبصعوبة تفاهمت معهم لذعري وانقطاع نفسي، وأنا أسرع بالسيارة عائد إلى المنزل. وكان الطريق يزدحم ويتوقف، وأنا لا أطيق صبراً ولا أدري ما اصنع، اضرب العجلة أمامي بيداي، ولم أعد أستطيع التحمل، وانا ادعو الله وابكي، كنت أقول لا تأخذها مني، هي كل ما لدي. تواصلت مع الخادمة وكانت لا تدري ما تقول، وتعطي كلام متناقض وهي مأزومة. تكلمت مع أخي الذي نزل للتو، فقال بأن أمي بخير. لم أقنع وكنت أشك، حينما وصلت وجدته عند أمي، وهي مستلقية بإعياء على سريرها، بالكاد تتكلم. وصلت أختي الكبرى في ذات الوقت تقريباً. تأخر الإسعاف أكثر من العادة، إذ أنها ليست أول مرة نطلبه لسبب أو لآخر، وحينما وصل دخل المسعفين وغطت أمي وجهها بشالها الملون. فحصوها بالاجهزة وتكلموا معها، طال الفحص، وبدأت ترفع شالها أمامها لتتنفس، فأمسكته مرفوعاً كالخيمة عنها، رغم اعتراضها، تقول أنها لا تريدني أن اتعب. كان كل شيء مطمئن نسبياً، ولله الحمد. لكنهم أرادوا أن يأخذوها إلى المستشفى ليطمئنوا أكثر، إلا أن أمي رفضت قطعاً. لم يبدو عليهم الاقتناع، لكن ما كان باليد حيلة، أخبرتهم بأني سأراقبها، وفي حال الحاجة سآخذها أنا إلى المستشفى. خرجوا من الغرفة، ورأيتهم يتوجهون نحو الباب، فتوقعت بأنهم سيجهزون أوراق ووثائق كالعادة. لكن المسعف عاد وناداني، وأخبرني بانه اتصل على طبيب الهلال الأحمر، وأنه يريد ان يتحدث معي. تكلمنا، وقال بأن كل شيء مطمئن، لكنه يريد أن يأخذوا أمي للاطمئنان، لعمل تخطيط قلب والمتابعة، أخبرته برفض أمي إلا أنه أصر، فوافقت، وكنت آمل ان اصرار الطبيب قد يقنع أمي، ولكنها لم تغير رأيها، ودخل المسعف ليقنعها، ولم يتغير رأيها أيضاً. كانوا مهمومين بوضعها الصحي. أخبرتهم مرة أخرى بأني سأتابعها، وفي حال احتاجت سآتي بها إلى المستشفى إن شاء الله. بعد اتمام الإجراءات والتسجيل، غادروا.

أخبرتني أختي مُطمئنة بأن هذا كان قد حدث لأمي عدة مرات في منزلها، إذ تقيم أمي لدى أختي بعد إجراء العمليات لفترة، وأزورها هناك كل يوم. استغربت، لأني مع أمي طوال الوقت في منزلنا إلا خلال نومي او نومها وخلال العمل، ولم تفعل هذا من قبل أبداً، من انقطاع نفَس وصمت مخيف. لكن أختي أكدت لي ذلك، وأنه راجع إلى ضيق مفاجئ بالصدر، نوبة من الحزن الشديد. قالت بأن الخادمة الجديدة ذُعرت لأنها لا تعرف هذا، خلافاً للخادمة القديمة."



"لم اعرف الفرحة بالإنجاز منذ زمن بعيد الآن، إن كل فرحة اتذكرها لا تعدو كونها فرحة بتفادي كارثة، وهي فرحة مهمة بذات القدر، إلا انها اكثر استهلاكا للروح والمعنويات والطاقة والاتزان والسلامة النفسية والمشاعر. إنك لا تصلها إلا وقد تآكلت وضئلت وعجزت وتعبت وخفت وخشيت وأُرعبت بلا توقف، ذلك القلق الممض المؤلم المتعب المستنزف العنيف الهازْ، حيث لا يفترض أن تصمد أمامه دون ان تنهار وتنهدّ، لكنك على نحو عجيب وعصي على الفهم ومثير لشفقة من ينظر، إن كان لأحد قلب، تستمر تعاني منه واقفاً وبوعيك بكل لحظة منه، يشبه انتظارك لارتطام جسم عظيم حتمي سيفنيك بعد لحظات، لكن اللحظات تطول كالعمر وأنت تتجزع وتستوعب ما يجري وما عليك وما لا عليك فعله وأنت ترقب الجسم يقترب شيئا فشيئا، لا يمكن الصياح بجزع لأن صياحك لن يعني شيئا وأنت لا تدري متى سيحدث ما تخشاه، لكنك بذات الوقت تراه يقترب فتفكر عشرات المرات بحكم الغريزة ان تتوقاه بذراعيك لكنك تنزلهما عن وجهك بسرعة وانت تئن أنيناً كالصياح المكبوت، تتخبط ذراعيك بين نزول وهبوط والكارثة لا زالت بالطريق، حتى تفقد الخيط الأخير من الاتزان وتبدأ بضرب ودفع الأرض بقدميك ذعراً وأنت جالس، وتقبض على شعرك هنيهات بقوة تنزع في كل مرة خصل منه، والأنين الحاد يتردد ويزداد حدة وبعداً عن طبيعتك كإنسان، حتى أخيراً ترفع ذراعيك أمام وجهك وتطلق صيحتك. ذلك هو القلق الذي لا يتوقف حتى تعرف النتيجة، هل سيرتطم بك حقاً ذاك الجسم العملاق الحقيقي الماثل أمامك؛ قل قطار مقبل عليك بمركبتك وكأنما بتمهل، لكنه بالواقع يسير بسرعة مميتة، كما تترقب القدَر وصفحته التالية عند الأزمات القوية في الحياة، أم أن القطار بالواقع ما كان ليصيبك، مهما بدا عليه الأمر، كالقدَر الذي لم يكن ليخطئك لولا المشيئة الإلهية؟
وكل هذا، بعدما تتجاوز الكارثة بأعجوبة، تعرف حتماً ان كل ما يمكنك فعله هو انتظار الكارثة التي تليها...

لقد بت أرى مستقبلي بوضوح، إن أموراً حولي تغيرت لكني أرى نفسي بلا تغيير اكثر من التدهور الحتمي للبشر، لكن ما يشعرني بالوحشة واليأس هو أني أتدهور بلا عون، لوحدي، ومحيطي يتوسع ويرق قوامه شيئا فشيئاً، لا غاية له سوى الاضمحلال في النهاية. إني لا أرجو نصيحة من أحد مع ذلك.


لطالما استمديت قيمتي من الآخرين، ليس رضاهم، لكن تحمّل همُّهم، معاونتهم على هموم الحياة والصحة، ذلك ما اشغل بالي. إني أشعر بالإرهاق، والرهبة والخوف من اللا معلوم، أشعر بأني انتظر في مركبة مع بشر كثيرين الوصول إلى وجهة ما، لكن حينما نصل إلى ما بدا أنه وجهتي لن ينزل غيري، وتمضي المركبة، وانا وحيد في خلاء موحش لا أدري ما أصنع، لن أموت جوعاً وعطشاً وإن عشت جائعاً وظمئاناً ما بقي من عمر هناك، لكن لعل هذا اكثر ما يرعبني، ألّا أدري متى سأموت وأنا على هذا الحال."



"... ذهبنا إلى الطوارئ، ورغم أني أرى مكان لأوراق منسوبي الجامعة وذويهم إلا أنهم ظلوا ينكرون، حتى مل مني ممرض فلبيني ووضع ورقة أمي فيه. في النهاية تم إدخالنا إلى غرفة في الطوارئ، وسط معاناة أمي، التي لم تسكت متألمة طوال المدة. وما المدة؟، تركونا لسبع ساعات كاملة. وكنت حينما أسأل يقال لي بأن الأطباء بالطريق، ثم باتت ممرضة هندية ملعونة تسخر مني وتجيب بكراهية لأني سألت أكثر من مرة، شرحت لها بأن الأمر يتعلق بأمي، وهي تتألم طوال الوقت. بل إنهم لم يحضروا لنا الماء حتى، وقد خشيت أن أخرج فلا يُسمح لي بالعودة، حتى تعاون معي طبيب سوداني ووعدني بأنه سيفتح لي الباب لأعود بالماء، وقد بلغ منا العطش مبلغه.

كنت أخرج لأتكلم مع فتاة سعودية تجلس أمام كمبيوتر، وتنسق الأمور والطلبات، وهي في كل مرة تقول لي بأن الأطباء بالطريق. شارفتُ على البكاء ألماً وتعباً وإحباطاً. فقررت الخروج بأمي على مسؤوليتي. حينما طلبت هذا، عمت الصدمة والصمت مركز الطوارئ كله، وتوقف الكل عن العمل، وكأن لديهم إحساس أو حتى مهنية. كان رئيسهم طبيب مسن أجنبي، سوري، وكان أكثرهم صدمة، ولا زلت لا أدري لمَ الصدمة؟، بالتأكيد لسنا أول من ييأس منهم. وكانت الممرضة الهندية الملعونة تنظر بقلق وهي مصدومة بوضوح، مع أنها أكثر من اطلع على حالنا بمرورها بلا مبالاة لتعبر إلى الجهة الأخرى. فوجئت بأكثر من فرد يحاول أن يقنعني بالبقاء، وقالت الفتاة السعودية بأنها آسفة، إنها غلطتها، لقد ظنت بأنها استدعت لنا الأطباء ولكنها لم تفعل، بل إنها لم تدري بالمريض المعني، وهي أمي، وهي تجيبني في كل مرة مطمئنة إياي بقدومهم الوشيك. لسبب ما كنت أنا مصدوم كذلك، وكأني مُروع أريد الهرب، وكلما زادوا بالإصرار ضاق صدري وزدت توتراً وقلقاً وتسارع وتقوى نبض قلبي، كنت أريد أن أخرج في أسرع وقت، وكانت دموعي تغرق عيناي، وأنا لا أدري لماذا استبقيت أمي طوال هذا الوقت، وزادني ما علمته من غفلتهم وعدم مبالاتهم رغم ترددي عليهم ألم على ألمي على أمي، إنهم حتى لم يدروا بوجودنا، لم يرونا، لم يهتموا برؤيتي لهذا العدد من الساعات أتردد. لم أشعر بالغضب لسبب ما، ولا أدري ما هو، كان ضيق صدر مطبق وضاغط وحزن شديد. رددت كل محاولات وأنا غارق بقلق أو هلع، سمه ما شئت. كان الطبيب السوري المسن ينظر بذهول ويتلفت وينظر بوجوه فريقه، وكانت طبيبة سعودية تقف عندي تحاول أن تقنعني بالبقاء بإلحاح، وكأنما تسعى للوصول إلى تفاهم واتفاق، والفتاة التي لا أدري ما وظيفتها تعتذر بهدوء ولكن باهتمام وصدق وهي تقول بأنه خطأها، ولكنها ترجو فقط بأن نبقى قليلاً ليطمئنوا على أمي، وأن الأطباء قد تم الاتصال بهم بالفعل وإخبارهم وهم بالطريق مسرعين، رفضت كل المحاولات ولم أناقش ولم أفكر حتى وأنا احاول أن اخرج بأمي على الكرسي المتحرك، وقد شعرت بحلقي ينسد وكأني سأختنق، كانوا يؤخرونني فقط وكأنما يسحبونني وأنا أريد الهروب، ويبدو أن ما ظهر على وجهي وجسدي من توتر قد أشغلهم، هل ظنوا بأني سأصعّد؟ أو سأقدم شكوى؟، لم يكن لدي وقت، ولم أعد اتمتع بطول النفس كما كنت أصلاً. كنت أوقع الورقة اللازمة بسرعة حتى أخرج، وهم يتحدثون، أكثر من فرد، بلا انقطاع إلي، ولا أدري ما جرى على المرضى خلافنا في تلك اللحظات الثقيلة الكريهة الصعبة المؤلمة، اقترح الطبيب بسرعة أن أراجع العيادة على الأقل، فهببن الطبيبات يقنعنني بهذا الإقتراح بمساحرة ومداهنة، قائلات؛ طيب خلاص، الحين بتمشي، لكن رجاء خذ التحويل وارجع للعيادة بعدين خذ موعد، عشان نتطمن على الوالدة، وكررن الكلام، وهن يلاحقنني ويؤخرن خروجي بإلحاح، لكن كما حدث من البداية، لم أفكر. لم أعلم بأن هناك من يعمل على التحويل بسرعة، فجئن به سريعاً وسألنني أن آخذه على الأقل وأذهب لاحقاً للعيادة لأخذ موعد، فرفضت، ولكنهن قطعن الطريق تماماً أمام الكرسي المتحرك واستمر إلحاحهن حتى أخذت الورقة فقط لأخرج. لم يكن لدي أي نية للعودة، مستحيل، وقد قررت بأن صلتي بالمستشفى من حيث هذه المشكلة الصحية قد انقطعت. لكني مع ذلك فوجئت بعد وقت قصير بوصول رسالة من المستشفى تحوي موعد قريب جداً في العيادة سيئة الذكر، حيث ينفرش الطبيب السوري الضخم خلافاً لسوري الطوارئ وقد بنشر قليلاً بعدما كان يتدحرج بغرور قبل سنوات، الذي لم يشخص مشكلة أمي وهي كسر بالحوض، وليس شعر مثلاً. لابد أنهم أوجسوا أني لن أذهب بنفسي، خصوصاً وأنا بتلك الحالة النفسية المزرية، فتدبروا الأمر بأنفسهم، وهي خدمة لم أحظ بها من قبل، فكل ما في هذا المستشفى من حيث المواعيد والتحويل هو تعقيدات محضة. لم أنو الذهاب وقد أغاضتني الرسالة وودت لو صحت بوجه أحدهم ولطمته حتى رضضت وجهه، أي أحد منهم."



"... تمنيت لو غضب لأجلنا أحد، فقد أعصابه وذهب بنفسه، وقال لهم كيف تعاملون أمي هكذا؟!، كيف تتركونهم بلا مبالاة، وهم يعانون. ليتنا نصل إلى هذا الحد من الأهمية، أمنية حياتي بأن أشعر بأن هناك من له حمية تجاهي، أما العون في لحظة الكرب فقد يأست منه منذ وقوع أمي الأول. لا أتذكر حمية أخذت أحد تجاهي سوى لدى صبي بالابتدائية، وقد أجج حمية الجميع تقريباً بالفصل لمواجهة صبي آخر تنمر علي حتى غير حياتي إلى اليوم. رد الله سواياه في ذره، وأفقده الطمأنينة. كان الصبي الذي تحمى لي أكثر من سواه اسمه خالد فرحان الصغير، وكان ذو شعبية وأهمية بالفصل."



"أما المستشفى، فلم يعد يربطنا به إلا عيادة واحدة، لا نستغني عن طبيبنا فيها، ولا تأتي أمي معي إلا للخضوع للأشعة والتحاليل، وليس إلى العيادة، رغم طلب الطبيب رؤيتها حباً، وليس احتياجاً لفحصها.

مع ذلك، أتعرض في هذه العيادة لمواقف، وإن كانت أخف من سواها. أحياناً بمقابلتي لمرضى مُحبطين يثيرون قهري وقرفي، مثل واحد اصطحب والدته المسنة وأخته، ويبدو أن الرجل في بداية خمسيناته، أما أخته فلا بد أنها اخته الصغرى وهي من كانت تعتني بوالدتهم بوضوح، وبوضوح جلي كان هذا الرجل لا يأتي إلى المستشفى مع والدته أبداً، فكان لا يعرف كيف تسير الأمور. أشفقت كثيراً على أخته، إذ بدت عليها البساطة والوجل، بينما كانت الأم عجوزاً طاعنة بالسن، ولعلها أكبر من أمي، لكنها كانت نشيطة الذهن ما شاء الله، وأي نعمة هذه؟ إنها أعظم النعم على الأبناء، وأنا أتذكر والدي رحمه الله. تذمر الرجل من قلة حياء من يطرقون الباب على العيادة، رغم وجود لوحة تنهى عن ذلك، وكان يشتم بصوت واضح ومرتفع، بينما لا يوجد سواي وسواه باللحظة، بعدما غادر طارق الباب دون أن يُفتح له. لم تمض دقائق حتى قال لأخته آمراً بجلافة أطرقي الباب!، إذ نفد صبره، من الواضح بأنه لم يتعود القيام بأي شيء. لكن أخته أجابت بنوع من الخوف: لا. فأُحبط بشدة وذهب إلى الباب وطرقه، ثم عاد إلى والدته، التي نظرت إليه بالعصفور وقالت كنت تقول بأنه لا يجب أن يطرق الباب، لماذا طرقته؟، فرد ونبرته وعلو صوته يزداد حتى ارتفع بتوبيخ: صبر صبر صبر!!، رغم أنها لم تستعجله، وظلت تنظر إليه نظرة خالية من التعبير، كالعصفور، وكنت أرى وجهها الشائخ خلف غلالة الغطاء الخفيف. لو قلت بأني تمنيت لو أصفعه لما عبرت عن كل ما أكنّه قلبي له من كره وقرف وغضب واحتقار، ولو هممت بصفعه لما استطعت إلا أن أن ألطمه بذراعي كلها، من كوعي إلى إلى آخر اناملي، لطول وجهه القميء.

أشفقت أيما إشفاق على أخته، إني لا زلت أتألم رغم مرور فترة طويلة."



"تدهور تنفس أمي على نحو متسارع فأخذناها إلى طوارئ مستشفى أهلي كبير، مستشفى الحبيب. لم أعد أتحمل فكرة الذهاب إلى طوارئ المستشفى الجامعي بعد ما فعلوه بنا. أخبرونا بالطوارئ بأنه التهاب بالصدر ومياه، وأنها مسألة مضادات وشفط، واستبعدوا ما خشوه من مشكلة بالقلب وخلافه. أخذوها إلى التنويم ولحسن الحظ كانت الخادمة قد رافقتنا جاهزة، إذ تعلمت حينما اضطررنا لتنويم أمي ذات مرة دون تخطيط. في الصباح تناولت أمي الفطور ثم نامت كالعادة، سوى أنها لم تستجب لإيقاض الأطباء لها. إنها بالواقع لا تستجيب بسهولة في المنزل بسبب الدواء المسكن حتى وقت لاحق، لكنها تستجيب مع ذلك. قرروا نقلها إلى العناية المركزة، وكانت الخادمة تبكي خائفة. أخبرتها بأنه بالواقع احتراز، فهم لا يدرون عن وضع أمي، وما نقوم به حالياً. أتيت إلى المستشفى، ودخلت إلى الطوارئ، فوجدت شقيقتي تبكي وقد جاءت من القصيم، ومعها الطبيب يسألها، ثم التفت إلي وسألني. لم أكن خائفاً وأخبرته بأنها بالواقع تستجيب في هذا الوقت. فقال كلمها إذا. حينما كلمت أمي ردت مباشرة وتجاوبت معي. فذهل الدكتور وقال لماذا لا تجيب أختك إذاً؟ قلت بأنها لا تعطيها وجه بالعادة.

أصروا على بقائها مع ذلك. والمشكلة هي أن وعيها فعلاً استمر بالانخفاض على نحو غريب، فأوقفوا كل المسكنات، فكانت لما تفيق تشتكي آلامها القوية. لكنهم رفضوا إعادة الدواء ففي رأيهم أنه سبب انخفاض الوعي. قد يكون مساهماً، لكن مسكن قبل هذا أوقفه الطبيب هو ما بدأ المشكلة كلها، بالوعي وبالبلع وضعف الكح. المشكلة الأخرى أنها لا تستجيب لأي أحد. فيمكن لأحد ما أن يكلمها ولا تجيبه، ثم أكلمها فتجيبني، وربما من وقت إلى آخر أجابت إخوتي، لكنها من بعد الطوارئ لا تتفاعل مع الأطباء مهما كان. وكان الأمر يحبطني، لأني أعلم بأنها تسمع، حيث حالما يخرج الطبيب تجيبني. سألتها مرة: يمه انتِ تلعبين على الدكتور؟ فرأيت طرف ابتسامة، ولعلها تضحك على الفكرة. أخبرني الطبيب بأنه يريدها ان تتفاعل معه هو، لما حاولت إقناعه بأنها تتفاعل معي. أجروا فحوصات ليتوصلوا إلى سبب انخفاض الوعي، وكان أمر عجيب، لأن كل فحوصاتها من أشعة وتخطيط ولله الحمد سليمة لا يشوبها شيء، ولم يجدوا مبرراً سوا الدواء، ورغم إيقافهم له استمر الوعي بالنزول. كانت حركة يديها قد صارت أضعف أيضاً، لكن الجيد أنها بدأت تفتح عينيها وهي قلما فعلت منذ الدواء سيء الذكر. المشكلة الأخرى هي أن طبيبها الذي صرف الدواء الأخير، والذي أثق به، كان في إجازة، ولا يمكنني استدعائه لأخذ رأيه.

كانت ساعات وجودي معها عزاء لي على صعوبتها، كنت أريدها ألا تخاف إذ تعلم بأني موجود، حتى مع انخفاض وعيها، طالما سُمح بالزيارة، أو لي بالدخول. كانت في الغرفة قبالنا امرأة عجوز، فوجئت بابنتها تصيح حينما أخبروها بأنها توفيت. لم أتحمل، كان بكاء يقطع نياط القلب، ولم أدري ما اصنع، جلست على الأرض وبكيت. فوجئت بالأخصائية الاجتماعية تأتي إلي مسرعة، ولسبب ما كانت تعرفني بإسمي. ربما لأن المرأة رحمها الله كانت في الغرفة المقابلة، قلقوا من تأثير الفاجعة. سألتني عن حالي ولم تأت على ذكر المرأة. أخبرتها بأني بخير.

لا زلت أتساءل، إذ حينما أخذني أخي إلى الطوارئ قبل فترة وأنا في غاية الألم، وقد بدأت بالاستفراغ حالما أخذوني بالعربة لأدخل الغرفة، ولما تركوني على السرير ووضعوا انبوب المسكن في يدي، بدأت أهدأ، ثم سمعت فتيات يبكين بعجز، لقد توفي شخص عزيز عليهن هناك. انصتُّ وقد سيطر ما يجري على ذهني، ما يجري هناك، وما يجري داخلي، لكني لم أبك، ولم تأخذني العاطفة الجارفة كما يحدث دائماً. هل لأني كنت مشغول بألم جسمي رغم أنه بدأ يخف بالمسكن؟. ظللت أتساءل لفترة طويلة ولا زلت، ماذا أصابني؟ لأنصت فقط؟. هل هو نوع من الأنانية، الانشغال بالذات رغم حضور معاناة أكبر في نفس المكان."



"رغم كل شيء يحدث في المستشفى لأمي، كنت متفائلاً، وكنت أفهم أمي جيداً وأفهم بأن المسألة تحتاج إلى وقت، ومنهجية، وفهم مستمر. إن من يعاشر الشخص المحتاج إلى رعاية يستوعب أن العافية كما نقول شوي شوي، ورغم أن الكل يعرف هذا التعبير إلا أن لا أحد يستوعبه إلا ما قل. لقد رأيت بفتح عينيها علامة إيجابية، وسعدت بنتائج الفحوص، فالإحتمالات السيئة تُستبعد وكل ما أُستبعد هو علامة جيدة وتطور بالفهم.

إن ظروفي الصحية نوعاً ما أفضل مما سبق، ولهذا تأثير على التعاطي مع ظروف أمي وطواريها.


 كان دائماً ما يحبطني في هذه الأزمة هو قلة الصبر من المحيطين بي، لأنها تؤثر على قدراتي بتنظيم الأمور، تؤثر على ترتيباتي وعلى ثقتي بما أعرف وما أخطط له، إن الحفاظ على التركيز هو الأهم. فوجئت باتصال من أختي وقد ذهبت مع أختي الثانية إلى المستشفى دون إيقاظي، وهي تبكي وتقول بأن حالة أمي أسوأ من أمس، وأنها لا تدري ماذا حدث، رأس أمي مائل ولا تستجيب. لمتها على الذهاب دون إبلاغي رغم الاتفاق. وقفزت لا أرى دربي أطوي الشوارع طوياً بسيارتي حتى وصلت إلى المستشفى، فتحوا لي باب العناية المركزة لما رأوا وجهي رغم المنع، وجريت بالممر مخيفاً الجميع ودخلت على أمي، وكلمتها فأجابت!. لما التفت وجدت خلفي ممرضات مذعورات وحارس أمن يخبرني بلطف بأني أخفت الجميع. قبلت أمي وخرجت وأنا أعتذر من كل من أرى بطريقي، وكنت أشعر بنوع من الضعف في جسمي. كان يفترض أني لما اطمئنيت أن أستعيد اتزاني، لكن ما حدث هو أني حالما خرجت ورأيت أختي تسرع تجاهي والأخرى خلفها حتى فقدت ساقاي قوتها وفقدت تركيزي وبدأت بالتهاوي. كنت ما بين الغائب والموجود. جاء طبيب وأوقفوني من الكرسي بالخارج وأدخلوني إلى مجلس صغير بالعناية المركزة. وكلمني الطبيب مطمئناً بأنها بخير (أدري) وعلاماتها الحيوية طبيعية. لم أكن أستعيد اتزاني بعدما غادر بقدر ما كان الغضب يحل محل عدمه. بدأت بلوم أخواتي وهن يبكين على الذهاب بدوني، وتضخيم الأمور. قالت أختي بأنها رأت أن رأس أمي مرفوع إلى الجانب، فقلت بنفاد صبر بأن هذا حتى لا تشرق!. خرجنا وكلمنا الطبيب، وسألته أختي فقال نفس كلامي فخبأت وجهي بيداي إحباطاً من الموقف."



"... فقال أخي الكبير، والده، لا تغير زاوية الكاميرا، فهو لا يعرف إن غيرتها، أي أني شتته هكذا وأخلفت كل ما يعرف، رغم أنها نفس اللعبة، فقط المنظور تغير. أعدنا الكاميرا كما كانت فنجح بتجاوز المكان.

أنا هكذا، في هذه الأحوال الدقيقة؛ لا تغير زاوية الكاميرا، لا تفقدني التركيز.

كانت نية أخواتي حسنة طبعاً؛ كن يعتقدن بأنه سيتم إخراج أمي إلى الجناح من العناية المركزة وكن سيفاجئنني بالبشارة. كانت النتيجة عكسية. وفي يوم لاحق، استلمت رسالة بالوتساب، عن الصبر عند المصائب. كانت بحسن نية أيضاً، إنها عن اهتمام، وهمّ بوضعي ونفسيتي، وهي في موضعها بالنسبة لشخص بطبيعة مختلفة عني، لكن بالنسبة لي؛ حرَّكت الكاميرا رغم أني لم أفتحها، أي لم أفتح محتوى الرسالة. لكن لعلها خيرة، لأني قمت بعدها بالصلاة والدعاء والإلحاح والتضرع لله والبكاء، بينما كنت لاهياً قبلها بعد إرهاق البقاء بالمستشفى ككل يوم.

في اليوم التالي، خرجت أمي من العناية المركزة، وقد فرحت فرحاً كبيراً بها، وكانت قد فتحت عييناتها الجميلتين تنظر، رغم أنها لم تعد ترى تقريباً. لم تتكلم كثيراً، وغالباً كانت لا تجيب الآخرين، ولا يمكن أن تجيب طبيب أو طبيبة. زارنا خالي وزوجته العزيزة وابنهم، ورغم محاولات التفاعل إلا أنها لم تستجب. كان وجه خالي المسكين يقول ما لا يقوله لسانه. حالما خرجوا سألت أمي عن حالها، فقالت الحمد لله. كنت متأكداً بأنها ستجيب حالما يخرجون. لم أدري أأضحك أم أبكي.

لكنها مكثت يومين وأعادوها إلى العناية المركزة مرة أخرى بحال سيء. في العناية المركزة كان طبيبنا البطل موجود، وهو طبيب سعودي جيد. وقد ترون بأني أُكثر من ذكر الأطباء السعوديين الجيدين بينما انتقص من شأن المجموعة بشكل عام طوال الوقت على نحو متناقض. ولكن يحدث هذا الأمر لأنه غالباً لا أجد جدوى من جهد ضاع في وصف المتردية والنطيحة، وهم الأغلبية، ويزداد المجال فقراً حينما يُذكر الدكاترة الأكاديميين السعوديين ويُحكى في شأنهم وقصصهم. أقول بأن دكتورنا البطل كان موجوداً، وهو من تصدى لحالة أمي وطمئننا، في حين كانت طبيبة مخبولة تقترح بتوكيد وبلا مجال للنقاش في دخول أمي الأول للعناية المركزة أنهم سيفتحون فتحة في حلق أمي لتوصل بجهاز التنفس الاصطناعي. لحسن الحظ، وقبل اتخاذ أي موقف، كان أحد الأنساب يتابع وضع أمي هناك، إذ أن له عيادة بالمستشفى، وقد صدم من كلام الطبيبة وأخبرها بأن لا تفعل هذا ولا تستعجل. وكان رد فعل طبيبنا موافق لهذا الرأي وبتوكيد كبير، لم يكن هناك حاجة لهذا، وكان يريد أن يقوم بكل ما يمكن قبل اتخاذ أي خطوة عنيفة، إن جاز القول، على هذا النحو. لأني أخذت رصيد إجازاتي كاملاً، كنت أتواجد كثيراً هناك، وهذا بطبيعة الحال يزعج الأطباء حينما يعطف علي حارس الأمن ويدخلني لأرى أمي، إلا طبيبنا هذا، فهو يقول بأنه يفرح حينما يرى قبعتي الحمراء. وقد لا يكون صادقاً، إلا أنه كان يرحم. كان معاونه المصري يتضايق من وجودي وإن بدا جامد التعبير، حتى في أوقات الزيارة إذ أتابع حالة أمي وأسأل عن المستجدات والأرقام والأدوية، لكني لم أبالي. لم أكن أناقشه، كنت أريد أن أعرف ماذا صنع هذا الدواء أو ذاك القرار وكيف أصبحت الأرقام.

في بداية وجود أمي بالعناية، كانت تحت مسؤولية طبيب سوري طيب وعملي، ويبدو أنه إلى جانب طبيبنا السعودي كان يتربع في قمة الهرم، ولعل طبيبنا الذي انتقلنا إليه أعلى منصباً في المستشفى وفي مستشفيات ومؤسسات أخرى. كان السوري لطيف جداً معي كذلك، وكنت أعجب لحفظه إسمي. ربما كان اسمي موجود في ملف أمي، في الملفات الورقية القديمة في المستشفى الجامعي أعتقد أن اسمي كان موجوداً، كما تواجدت كنية أمي. لكني لاحقاً شككت بأن لفضيحة دوختي دور بالأمر. كان الطبيب الذي خرج لمساعدتي في ذلك اليوم الصعب هو طبيب سعودي تبين لاحقاً بأنه سطحي حقاً، يتعامل مع أهالي المرضى وكأنه يتعامل مع طلاب بالمتوسطة، ويكذب، وكنت أتشائم إذا عرفته يسير أمامي بردفه الذي يشبه حوض المغسلة. جاء إلى أخي وأختي وتحدث بأمري بطريقة ضايقتهما، ثم علق بصفاقة وجهل على تعاملنا مع حالة أمي، لكن أخي ألقمه حجراً إذ قال بأن أدويتها موصوفة من أطباء أعلم منه بمجالاتهم. كان كل هذا مع أنه لا شأن له بحالة أمي. لم أكن موجوداً، ولكني لا أدري ما كنت سأقول لو كنت موجوداً، ربما كان هذا أفضل لألّا أفقد التركيز.

كان التهاب أمي يرتفع وينخفض، لكن وعيها كان ينخفض، وللإلتهابات الشديدة مثل هذا التأثير. كان الغريب وما لم يفهمه أحد مع ذلك هو سبب هذا التدهور الجذري، رغم إعادة الفحوصات من أنواع أشعة وتخطيط للتأكد من عدم وجود مشكلة بالدماغ، وكان دماغها سليم تماماً ولله الحمد.


إن وجود أمي في العناية المركزة لم يعن لي أن أمرها قد قُضي، كما كان يبدو على البعض، أو ما يوحون به، وكان حضور كثير من أحباب أمي وذريتها لا يوحي لي إلا بأسوأ الظنون بالله وانعدام الأمل، وبدا بأن هناك من لا يفهم لماذا كنت أعامل الأمر بأمل واعتقاد بأن الشفاء ممكن. بطبيعة الحال، كنت في جهاد صامت، جهاد لا يشعر به إلا أنا، في مواجهة هذه المشاعر الخارجية المحيطة بي، وكنت واعٍ أشد الوعي بأن لا أسمح بتأثيرها على اتزاني، أنا أعي وجودها لكن يجب أن لا تفقدني اتزاني وتركيزي، فإن لم أركز أنا، فمن سيركز؟، من يعرف أمي أكثر؟ من يعرف طبيعتها النفسية، تفاعلها مع كل شيء، أدويتها؟ تاريخها الطبي؟ معاني التغييرات التي قد لا يلحظها أحد؟ أجرؤ بلا مواربة ولا تردد ولا شك فأقول؛ من يحب أمي أكثر مني. وأنا هنا لا أسأل، أنا أؤكد."




سعد الحوشان